وتكاد الترجمات اللاتينية لكتب الرازي تنفرد بكونها ترجمات جيدة نسبيًا (11) ، على نقيض ماكانت الحال عليه في الترجمات اللاتينية التي أجريت لكتب الطب العربية الأخرى في العصور الوسطى. فقد كانت تلك الترجمات حافلة بالأخطاء الناجمة عن سوء فهم التراجمة الأوروبيين للنصوص العربية والاصطلاحات الطبية، لذلك جاءت العبارة اللاتينية فيها غير مفهومة أحيانًا وخالية من المعنى في أحيان أخرى (12) . وذلك مالا نراه لحسن الحظ في ترجمات كتب الرازي. وقد ساعدت جودة ترجمات كتب الرازي على استئثار هذه الكتب باهتمام الأوساط التعليمية في أوروبا في العصور الوسطى واتخاذها مادة للتدريس حتى القرن السابع عشر.
وأهم هذه الكتب التي ذاعت شهرتها في أوروبا أربعة هي: (الحاوي) و (المنصوري) ، و (التقسيم والتشجير) ، و (الجدري والحصبة) .
وفي هذه الكتب اكتشف الباحثون ومضات من عبقرية الرازي.
ونسوق هنا مثلين على ذلك:
أولهما في الطب العام، فقد عرف العالم أن الرازي هو أول من وضع التشخيص التفريقي بين مرضى الجدري والحصبة، وأنه أدق الأطباء الذين وصفوا التطور السريري للأعراض الجلدية في هذين المرضين. (13) .
وثاني هذين المثلين نختاره من حقل طب العيون: فقد تبين لمورغاني الشهير أن الرازي هو أول من كتب عن تأثير الحدقة بالضياء، من حيث اتساعها في الظلمة وتضيقها في النور (14) .
وبسبب غزارة المادة الطبية التي كتبها الرازي، فإننا نستطيع القول إن هذه المادة ماتزال بحاجة إلى دراسات عديدة قبل أن نعرف على وجه الدقة كيف تأثر بها المؤلفون، وقبل أن نحدد حقيقة التفوق الذي مارسه الرازي على كبار عَباقرةِ الطب العربي ، كابن سينا مثلًا أو علي بن العباس.