لقد نجم عن دخول الجيش على مسرح السياسة ودخول السياسة على الجيش فيما نجم انصراف الجند انصرافًا كاد أن يكون كليًا عن المهام الخارجية، ففرغت الثغور، واتفق هذا مع فترة ازدهار وقوة في الامبراطورية البيزنطية لذلك نشط الاشتباك في منطقة الثغور مع شمالي بلاد الشام، وعبثًا جرت محاولات لإيقافه فأدى ذلك إلى انهيار نظام الثغور وسقوط جزء من شمالي بلاد الشام، وخاصة المناطق الساحلية للبيزنطيين.
هذا وأدى الصراع السياسي بين فئات الجند والساسة في الداخل إلى شلل أجهزة الخلافة العباسية، وكثرة الانقلابات وخلع الخلفاء، وتعدد من ادعى الخلافة في آن واحد، ولجأ عدد من الضباط الذين أخفقوا في صراعات بغداد إلى طرف من أطراف ديار الدولة حيث اقتطعوه وأسسوا فيه دولة مستقلة تستمد الشرعية الرسمية ـ فقط ـ من خلفاء بغداد، وهكذا تمزقت الدولة العباسية، وفقد العالم الإسلامي وحدته السياسية، وسقط كله تحت إدارة أسر ذوات أصل عسكري، ولعل في الدولة الطولونية، والطاهرية، ودول آل بويه، والحمدانية في الموصل وحلب أمثلة شاهدة.
لقد كانت آثار هذا كله: الاجتماعية والاقتصادية والحضارية والعقائدية أكبر بكثير من الآثار السياسية، علمًا بأن الحدث السياسي هو في غالب الأحيان نتيجة لسبب غير سياسي.