"كنت أبكر فُاجلس على الجسر ومعي دواة ودَرْجٌ فاكتبُ كلَّ شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين حتى يملأ الدَّرْجَ من الوجهين ثم أقطّعهُ عرضًا وألصقه مخالفًا فيجيءُ منه كلامٌ ليس في الدنيا أحمقُ منه" (28) .
وربما يتضح لنا تمرده على الأدب الرسمي في قصائده التي يقيم فيها علاقاتٍ لغويةً أو دلالاتٍ معنويةً تتسم بالتفكك وعدمِ الترابط وكأنه يثور على اللغة والمعنى والصور والألفاظ والقواعد في نزعة تحطيمية سريالية ومن ذلك قوله (29) :.
أقرَّ الشعراءُ أني
فقطعْتُ الرأسَ منهم ... ثم جلدَ القدِ دمدمْ
فعملنا منه طبلا ... من طبول الخدِ دمدمْ
فضربنا به دمدمْ ... ثم دمدمَ ثم دمدمْ
عجبًا يا قومُ مني ... كنتُ معكم كالمُلَمْلَمْ
ولنتأمل هذا القول: (30) ... والطيلسانُ قرابةَ الخَفانِ
الخوخُ يعشقُ وُكنةَ الرمانِ
يا مَنْ رأى قلبي فعرقبَ أذنَهُ ... فشمْمتُ منه حُموضةَ الكتانِ
*خلاص واسترخاء ... وفي زوالِ العقل والخُرقِ
ويكشف أدب الفئات الهامشية عن استحالة الخلاص الجماعي ولهذا مثّل لنا هذا الأدب الدعوة إلى الخلاص الفردي وهذه سمة غالبًا ما نجدها في مواقف الأفراد عندما تمر المجتمعات في تحولات صعبة أو تواجه أخطارًا كبيرة.
وفي ظل الإحباط أو اليأس والعجز يعتقد الفرد أن الخلاص يكون حين يدير المرء ظهره للقيم الجماعية ويبحث عن منفذ فردي.
وهذا ما نجده في أدب الحمقى والمتحامقين وهو ما يبرز في أصوات الشحاذين والمتسولين والمتطفلين الذين اكتشفوا أن المواجهة غير المتكافئة بين سلطة الثروة والفقر وبين بطش الحكام وعجز العامة وقد دفعت بهم إلى ضروب من أنماط السلوك والانحرافات فارتضوا ذلك ما دامت أسباب التغيير مستحيلة.
ولهذا نجد بين المتحامقين من يقول بالتحامق ويدعو إليه كالغنوي إذ يقول: (31)
الروحُ والراحةُ في الحُمْقِ
فمَنْ أرادَ العيشَ في راحةٍ ... فليلزمِ الجهلَ مع الحُمْقِ