ويفهم من ذلك أن هذا المسلك التهميشي الذي تتخذه النخب المتنفذة تاريخيًا يعبر عن سياسة مقصودة في محاصرة تيارات المعارضة أو شرائح الساخطين والمتمردين إذ تدفع بهم إلى اليأس والإحباط والاستسلام في قبول ما هو مفروض عليهم. ويسوق أكثرُ من أديب رأيه أو شهادته في التعبير عن هذه الحالة فقد كان صالح ابن علي النصيبيني يقول:"جددْتُ فشقيْتُ ثم تحامقت فأرحتُ واسترحت" (32) . ... فإنَّ العقلَ حرمانٌ وشومُ
وهكذا يصبح الاستسلام واقعًا يستحيل التخلص منه إلا بالقبول به فما جدوى العقل في زمن مجنون وما نفع العلم في زمن جاهل. وباختصار فإن المعقول وما يجب أن يكون هو الخاسر أو المغيب أمام قوة اللامعقول وما يجب ألاّ يكون. وهذه المحاكمة هي التي تجعل شاعرًا متحامقًا يقول في دعوة تمثل العجز والتحول والاستسلام: ( 33)
إذا كانَ الزمانُ زمانَ حُمْقٍ
فكنْ حَمِقًا مع الحمقى فإني ... أرى الدُّنيا بدولتهم تدومُ
ويكاد خطاب تلك الشرائح يتفق في هذا الجانب فأنت تجد لدى المتطفلين تأكيدًا أن حياة التطفيل هي الخلاص من المعاناة وفيها راحةَ البال من عناءِ المتاعب وصعوباتِ الحياة وتقرأُ ذلك في خطاب المتسولين فهذا أبو دلف الخزرجي يرى على لسان الشحاذين أن الكدية بطقوسها وأساليبها هي الباب إلى الخلاص وفيها تتحقق حرية المكدي ويجد الراحة والنجاة وفي ذلك يقول: (24) . ... تَ في العُسْر وفي اليُسْرِ
فطبنا نأخذُ الأوقا
فما ننفكُّ من صمي ... وما نفترُ من مَتْرِ
فأحلى ما وجدنا العيشَ ... بين الكمد والخمر
وفي ذلك نلمس انحراف الفئات الهامشية وسقوط الكثير من أفرادها قديمًا وحديثًا في حياة الجنس والمخدرات والإدمان للأسباب التي يمرون بها ويعانون تأثيراتها المختلفة. ... واغترابٍ في معشر أنذالِ
عزلة واغتراب؟