فقد كان أبو العبر على سبيل المثال يأتي بكل ما يصدم المجتمع فهو يصطاد عاريًا وقد ربط في كل عضو من أعضاء جسده آلة من آلات الصيد (25) دون أن يقيم وزنًا لسلطة المجتمع ويصر على أن يأتي من الأقوال والتصرفات والحركات ما يناقض قيم مجتمعه وأعرافه بل نجده وفي كثير من المواقف يتمرد على طبيعة اللغة ويهزأ من الشعر ويقيم علاقاتٍ جديدةً بين الألفاظ والتراكيب تشكل تمردًا سرياليًا يهشم فيه اللغة وعلاقات المعنى مع ولع خاص بالخرافي والعبث واللامعقول إذ كان يعقد مجالسه في الأسواق والساحات العامة في هيئة غريبة فهو يرتدي في رجليه قلنسوتين ويعتمر على رأسه خفًا وقد جعل سراويله قميصًا. وقميصه سراويل (26) ومن حوله جوقة تدق بالهواوين حتى إذا ما اجتمع الناس واشتد الصخب بدأ المشهد بطرح الأسئلة من الحاضرين فيرد عليهم أبو العبر بطريقة تثير الضحك دون أن يكون هناك ترابط بين السؤال والجواب.
وقد وصف لنا ابن المعتز أحد مجالس أبي العبر وما كان يدور فيها قائلًا: سأله أحدهم: يا أبا العبر لم صار دجلة أعرض من الفرات والقطن أبيض من الكماة؟ فقال لأن الشاة ليس لها منقار وذنب الطاووس أربعة أشبار.
وقال آخر: لم صار العطار يبيع اللبد وصاحب السقط يبيع اللبن؟ فقال لأن المطر يجيء في الشتاء والمنخل لا يقوم به الماء. وقال آخر: لم صار كلُّ خصي أمرد والماء في حزيران لا يبرد؟ فقال لأن السفينة تجنح والحمار يرمح" (27) ."
إن ولع أبي العبر بالمُحال من الكلام يكشف عن نزعة واضحة في العبث والنيل من مكانة اللغة والبلاغة في الإطار الرسمي الذي يجري على أساسه تقريب الشعراء إلى مجالس الخلفاءء والأمراء. أمّا هو فقد اختلق نمطًا خاصًا به وجد له سوقًا رائجة في القاع الاجتماعي ونال به إقبالًا واسعًا وقد كشف عن سر طريقته في الكلام قائلًا: