وفي الجانب السياسي المعبر عن التناقضات والاضطرابات والفوضى وتنازع الزعامات أظهر المتحامقون معرفة دقيقة في فهم ما يجري فجهروا بالنقد الكاشف الذي لا يجامل ولا يتستر ولا يداري ومن ذلك أن سيبويهِ المجنونَ تعرّض في الأسواق لموكب جعفر بن الفضل بن الفرات ناقدًا وهازئًا إذ قال:"ما بَال أبي الفضل قد جمع كتابه ولفّق أصحابه وحشد بين يديه حجابه وشمم أنفه وساق العساكر من خلفه؟ أبلغه أنَّ الإسلام طُرق وأنَّ ركن الكعبة سرق؟ فقال له رجل: هو اليوم صاحب الأمر ومدبر الدولة. فقال عجبًا: أليس بالأمس نهب الأتراك داره ودكدكوا آثاره وأظهروا عواره وهم اليوم يدعونه وزيرًا ثم صيروه أميرًا. ما عجبي منهم كيف نصبوه بل عجبي كيف تولى أمر عدوهم ورضوه" (20) أليس على هذا النحو يعين الخلفاء والوزراء ثم يكون عزلهم أو خلعهم؟
والنقد بإظهار الجنون أسلوب عرفته الفرق والطوائف والأحزاب فقد أشار أبو دلف الخزرجي إلى الممرور في قصيدته المشهورة: (21) .
ومنا كلُّ مَمْروُرِ
وجاء في شرح ذلك أن الممرورين"قوم يلبسون الثياب الممزقة ويحلقون لحاهم ويوهمون أنهم موسوسون وأن المرار غلب عليهم فيشيدون بفئة ويذمون أخرى وينسبهم الناس إلى الجنون فلا يؤاخذونهم بما يقولون". ... مثلَ العروسِ تراءَتْ في المقاصيرِ
وفي مقام النقد يبرز صوت الأحنف العكبري المكدي وهو شاعر استطاع أن يكتشف خلل عصره وسبب سوء حاله وحال أقرانه من الأدباء المهمشين فوجد علة ذلك في النهب والاستغلال والتمايز والتفاوت الطبقي والاجتماعي وفي ذلك يقول: (22)
رأيْتُ في النوم دُنيانا مزخرفةً
فقلْتُ جودي. فقالتْْ لي على عجلٍ ... إذا تخلصْتَ من أيدي الخنازير
وفي إطار نقده السياسي يصور لنا بتورية ذكية شخصيات السلطة ورموزها في عصره ليدل على أن سوء الأمور نتيجة منطقية لتصرفات أولئك المغفلين الساذجين من الولاة والحكام فيقول: (23) ... قلْتُ: هيهاتَ كلُّ ذاكَ بخارُ
قالَ: رؤيا المنام عندكَ حقٌ