والمقصود أن العقل ضمن منطق الحسابات قد يُؤْثُر السلامة فيتآلف مع الواقع القائم في حين أنَّ التحامق أو التجانن إذ يسقط مفهوم الحسابات فإنه يتجاوز حدود المنع. وتظاهر المتحامقين بالجنون أو الهلوسة أسقط عنهم عقاب المجتمع بذريعة غياب العقل وهذا ما جعلهم اكثر قدرة من الأدباء الآخرين على ممارسة النقد الجارح والعميق لمظاهر الفساد والخراب والقرائن كثيرة في الدلالة على عجز العقل في مواجهة سلطة الاستبداد أو الجهل المتنفّذ. وكتب التراث تزخر بحوادث الاغتيالات وأصناف التعذيب وأشكال المطاردات والنفي والسجون.
ونقد المتحامقين أسلوب ذكي أو هو مواجهة ذكية للواقع بالوسائل التي تنسجم مع منطق ذلك الواقع وبالطريقة الممكنة التي تحقق غرض أولئك الساخطين المتذمرين.
لقد تناول الحمقى والشحاذون كثيرًا من جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية بالنقد والتقريع ولهم في ذلك جولات طالت مظاهر التسلط والظلم والتمايز والاستغلال. وتبرز بين أيدينا المحاورات المشهورة بين سعد المجنون والمتوكل وبين بهلول المُوَسْوَس والرشيد وبين عليان والهادي (17) .
فهل كان سعدون المجنون قادرًا على مخاطبة الخليفة ونقده لو لم يكن مجنونًا أو متظاهرًا بالجنون إذ يقول: (18) .
يا مَنْ بنى القصر في الدنيا وشيّدهُ
لو كنْت تَغْنى بذخر أنت ذاخرُهُ ... اسَسْتَهُ حيثُ لا سوسٌ ولا حرقُ
والموت مصطبح منكم ومُغْتَبِقٌ ... فاحتلَ لنفسِكَ قبلَ الوردِ يا حَمِقُ
ولنتأملْ هذا الموقف الذي اعترض فيه صبّاحُ المُوَسْوَس موكب صاحب شرطة ابن هبيرة وبادره بالقول أمام الناس:"يا بن أبي الزرقاء أسمنْتَ بِرْذَوْنَكَ وأهزلْتَ دينك أما والله إن أَمامك عقبةً لا يجاوزها إلا المُخّفُ.. فوقف ابنُ أبي الزرقاء. فقيل له: هو صباح الموسوس. فقال: ما هذا بُموَسْوَس" (19) . ... غدا غيظَ بني البظر