ولقد قلْتُ حيَن اغرَوْا بلومي
حَمَقي قائمٌ بقوت عيالي ... ويموتون إنْ تعاقلْتُ هزلا
تلك هي مأساة الأدب والعقل والجد كما عبر عنها أكثر من شاعر كان الشاعر الأحنف العكبري، الشاعر المكدي، واحدًا منهم إذ قال: (13) . ... يكاد يدرك إلا بالتفّاريقِ
قد قسّم الله رزقي في البلاد فما
ولسْتَ مكتسبًا رزقًا بفلسفة ... ولا بشعر ولكنْ بالمخاريقِ
والناسُ قد علموا أني أخو حيل ... فلسْتُ أنفق إلا في الرّساتيقِ
ومن هذا المنطلق كان اعتراف شاعر آخر بتظاهره بالجنون لأنه الوسيلة على ما يبدو لكسب القوت إذ يقول: (14) ... فالعقل في ذا الزمان حرمان
جننْتُ نفسي لكي أنال غنى
*النقد الاجتماعي: ... أُسَّسْتَ قصرك حيث السيلُ والغرقُ
والنقد الاجتماعي لمظاهر الخطأ والفساد هو المنطلق الآخر لأدب الفئات الهامشية فالمتحامقون يسيرون على خُطا نيتشه في رفضهم التسليم بظواهر الأشياء وتجاوز ذلك إلى الأعماق والخفايا ويرون في نقدهم"أن الإيمان بالحقيقة هو الجنون بعينه" (15) .
وفكرة هؤلاء الأدباء أن الإنسان ما دام مستسلمًا لنفوذ الظواهر المكرسة وخاضعًا لسلطتها فإنَّ العقل لا يكفي لاكتشاف بطلانها إذ تبرز أمامه سدودٌ صارمة رادعةٌ زاجرة. وعندئذ فإن التجانن أو التحامق هو السبيل لاختراق تلك الحواجز وهو المنهج لتقويض سلطة ما هو سائد ومفروض وذلك على غرار ما يقول فوكو في تاريخ الجنون:"لقد علمتنا التجارب أنه غالبًا ما نستطيع التوصل إلى الحقيقة عن طريق اغتصاب العقل واختراق حدوده القاسية" (16) .