فهرس الكتاب

الصفحة 15257 من 23694

وعلى هذا الأساس كانوا يكسبون المال كالآخرين، لقد أرهقهم طريق العيش بالعقل والجد فوجدوه بالتحامق والتجانن، والتسول والاستجداء، يقود إلى الثروة ومجالس الجاه، ومراكز السلطة فكانوا المهرجين والمضحكين الذين استطاعوا بهذه الطريقة انتزاع المال الذي يعلم الله بأية طريقة جمع وكسب.

هذا شاعر اسمه أبو العِبَر قالت مصادر التراجم إنه حافظ لكل عين. جيد الشعر، ولم يكن في الدنيا صناعة إلا وهو يعملها بيده" (5) ورغم ذلك كان معدمًا في"نهاية النصب واللعنة" (6) وكان الموقف أنّ هجر أبو العبر العقل وسلك درب التحامق لإدراكه كما يقول ابن المعتز:"أن الحماقة والهزل أنفق على أهل عصره" (7) فكسب بحماقاته كما يقول الأصفهاني:"أضعاف ما كسبه كل شاعر في عصره بالجد" (8) ."

وكان يرد ذكره في بعض المجالس، وتذكر حماقاته، وسقوطه فأراد يزيد بن محمد المهلبي أن يقف على حقيقة أمره، فأجاب عن ذلك محمد بن مُدْرك بالقول:"والله ما كان إلا أديبًا فاضلًا، ولكنه رأى الحماقة أنفق، وأنفع له فتحامق" (9) .

وشاعر آخر اسمه ابن صلوة كان جيد الشعر، صائب الرأي، ولكنه محروم لا يؤبه له"فنبذ العقل جانبًا، ومال إلى التحامق، وأخذ في الهزل والعبث، فحسنت حاله، وراج أمره، حتى إن الملوك والأشراف ألعوا به" (10) .

وهذا أبو العجل الشاعر المتحامق يدافع عن تحولاته في عالم الحماقة بالمقارنة بين ما كانت عليه حياته زمن العقل والجد، وما صارت إليه في عهد الحماقة والرقاعة فيقول: (11)

اكففْ مَلاَمكَ مُحسنًا

أعلى الحماقة لُمتني ... قد كنْتُ مثلَك أوّلا

فدخلْتُ مصَر وأرضَها ... والشامَ ثم الموصِلا

وقرى الجزيرة لم أدعْ ... فيها لحيٍّ منزلا

إلا حللْتُ فناءَهُ ... بالعقل كي أتمولا

وإذا التعاقل حرفّة ... فعزمْتُ أنْ اتحولا

فانظرْ إليَّ أمَا ترى ... حالَ الحماقة أجملا

مَنْ ذا عليه مُؤنبي ... حتى أعودَ فأعقلا

ونقرأ هذا الاعتراف مرة أخرى في قول ابن قادم (12) : ... أيَّها اللائمونَ في الحُمْق مهلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت