ولكي تتضح لنا هذه الجوانب نرى أن نمر على كل منها مرورًا سريعًا فماذا سنجد؟
*التكسب بالتحامق، والتسول:
في البداية نشير إلى أن الأزمات التي يمر بها الأدباء والمثقفون ليست واحدة، كما أنها ليست مطلقة. والصورة المشرقة التي نقرأ في جوانبها عن شاعر أو أديب كان ينعم بأسباب الحياة الهانئة لعطاء أصابه أو جائزة فاز بها، هذه الصورة تقابلها صورة قاتمة عن بؤس أدباء وشعراء وعلماء كانوا لا يجدون قوت يومهم، ورزق عيالهم (2) .
وفي المجتمع العباسي أخذت صورة البؤس تتسع ولا سيما في مرحلة التفكك والضعف وبروز الاضطرابات. وقيام الزعامات، وما نجم عن ذلك من خلل اقتصادي أو نزاع سياسي، واجتماعي.
وفي هذه البيئة انحدرت مكانة العلم، وانحطت منزلة العقل، وكسدت بضاعة الأدب مما دفع الكثيرين إلى التشرد والاغتراب والجنوح إلى دنيا التسول، والتطفل، ومن هذا المنطلق صار التحامق وسيلة لكسب القوت والثروة أيضًا (3) .
ويبدو أن أخذ دور المهرج المتحامق يؤدي إلى تحقيق هذه الغاية بأسرع أو أضمن من دور الجِد والعقل ففي محاورة"ابن أخي رامو"لديدرو نجد المهرج المتحامق المتجانن يخاطب الفيلسوف قائلًا:"كنت سأصير مثل جميع المتسولين الذين أثروا. كنت في السابق أسرق الأموال من تلاميذي، أما الآن فإني أكسب هذه الأموال على الأقل مثل الآخرين."
إن أهالي التلاميذ كانوا يغصون بثرواتهم المكتسبة الله يعلم كيف، لقد كانوا من رجال الحاشية ومن رجال الأعمال والبنوك، وكبار التجار، فإذا كانت كل الأنواع تتصارع في الطبيعة فإن كل الأوساط تتقابل في المجتمع، إننا كنا نقيم العدالة على طريقتنا من غير تدخل القانون" (4) ."
هذا النص يضيء جوانب هامة ليس في زمن ديدرو ومجتمعه. ولكنه يضيء جوانب مشابهة في كثير من المجتمعات. ولعل ذلك مع بعض فروقات الزمان والمكان هو ما أحاط بأدباء الفئات الهامشية.