ونحن لا نريد بهذا القول أن ننزه ابن سينا من كونه قد شرب الخمر بل نقف عند النصوص التاريخية ومعاني الألفاظ الواردة فيها وإلا فقد عثرنا على أبيات له تثبت عليه شربه الخمر إن صدق الراوي لها قال أبو علي بن سينا في نعت الخمر:
دم الدنِّ في شرع الندامي محلل
ومن أجله ثغر الكؤوس يقبل
غدت كعبة اللذات قبلة دنِّها
ونحن نلبِّي عندها ونهلِّل
فلو لم تكن في حيِّز قلت إنها
هي العلة الأولى التي لا تعلل (41) .
وهذا شعر فيلسوف ظريف قد ذهب في الحرية كل مذهب وما أحراه أن يكون من شعر ابن سينا مادام فيه مثل قوله:"هي العلة الأولى التي لا تعلل"، فإنه اصطلاح كلامي فلسفي ظاهر.
وفي الحق أن الشيخ ابن سينا انغمس في الحكمة والفلسفة من الفرق إلى القدم، وأصبح مذهبه الحنفي وفقهه مثل الخيال من الحوادث البعيدة الزمان، وارتفع عن أن يقال أنه أهل المذهب الفلاني المتعصِّبين والمذهب الفلاني، أما أن بعض فلسفته يوافق بعض فلسفة الاسماعيلية فذلك لأن كلتا الفلسفتين تلتقيان أحيانًا في مورد واحد وتغترفان من معين واحد وأنا أرى أنه آلت حاله إلى أن صار (لا مذهبيًا) ، ولذلك رمي بالمبدعات بل المكفرات، قال شهاب الدين أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله الحموي المعروف بابن أبي الدم الحموي القاضي الشافعي المؤرخ المتوفى سنة 642هـ، في كتابه (الملل والنحل) ، ولم يقم أحد من فلاسفة الإسلام مقام أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا وكان أبو علي أقوم الرجلين وأعلمهم)، إلى أن قال:"وقد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم ونفي المعاد الجسماني ولا ينكر المعاد النفساني ونقل عنه أنه قال:"إن الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي بل بعلم كلي، فقطع علماء زمانه ومن بعده من الأئمة من يعتبر قولهم أصولًا وفروعًا بكفره، وبكفر أبي نصر الفارابي من أجل اعتقاد هذه المسائل وأنها خلاف اعتقاد المسلمين" (42) ."