وتوفي اسماعيل الفقيه الزاهد أستاذ ابن سينا سنة 402هـ (36) ، أي قبل وفاة ابن سينا بست وعشرين سنة وقد ذكر الشيخ ابن سينا شيخه الحنفي هذا في إملاء سيرته بقوله:"وكنت قبل قدوم أبي عبد الله النائلي أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى اسماعيل الزاهد وكنت من أحزم السائلين وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به". وذكر دراسته للفلسفة وقال: (أنا مع ذلك مشغول بالفقه وأناظر فيه وأنا يومئذٍ من أبناء ست عشر سنة) ، إلى أن قال: (وقدمت على الأمير بكركانج وهو علي بن مأمون وكنت إذ ذاك على زي الفقهاء بطيلسان وتحت الحنك فرتبوا لي مشاهرة تقوم بكفاية مثلي) (37) .
فالشيخ أبو علي بن سينا لو لم تغلب عليه الفلسفة لكان فقيهًا حنفيًا كبيرًا، وذلك لدراسة الفقه الحنفي دراسة تامة مع علم الكلام وفن المناظرة اللذين هما من أظهر الميزات للمذهب الحنفي، ومما يؤيد هذه الحقائق التاريخية تعاطيه الشراب أي النبيذ على ماهو معروف من جواز شربه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وفي ذلك يقول: (وأرجع بالليل إلى داري فأحضر السراج بين يدي وأشتغل بالقراءة والكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب لكيما تعود إليَّ قوتي ثم أرجع إلى القراءة) ، (38) . والظاهر أنه استفاد من تساهل المذهب الحنفي وتسامحه في ذلك إلى أقصى حد حتى قال صاحبه أبو عبيد الجوزجاني"كان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم وكنت أقرأ من الشفاءَ نوبة وكان غيري يقرأ من القانون نوبة، فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم وهيِّئَ مجلس الشراب بآلاته فكنا نشتغل به" (39) . فهذا الشراب الذي أشار إليه ابن سينا وصاحبه أبو عبيد إنما من الطلا وهو ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه وهو (مي بخته) وعرَّبته العرب فقالوا: (ميبختج) (40) . وإليه أشار العلامة جار الله الزمخشري بقوله:
وإن حنفيًا قلت قالوا بأنني