وسيرة داعي الدعاة هبة الله بن موسى الشيرازي تصور لنا قوة تلك الدعاية وطرائقها وحقائقها (33) ، فقد كانت متدرعة بدرع من العقل، ومتذرعة بذريعة من النقل بحيث نشأ في أكنافها مثل أبي العلاء المعري الفيلسوف الشاعر وغيره من أهل الأفكار الحرة. قد ذكر الشيخ الرئيس أنه لم يمل إلى العقيدة الاسماعيلية التي اعتقدها أبوه وأخوه وصرَّح وباح بنفوره منها. فكيف يصح أن ينسب إلى مذهب الاسماعيلية؟ فإن كان السبب وجود ذكر النفس والعقل في كتبه فكل الفلسفة تتناول النفس والعقل، وأن كان سبب النص التاريخي فليس فيه ما يدل على تمذهبه بالاسماعيلية أبدًا.
والظاهر أن الاضطهاد المذهبي كان شديدًا في خراسان خصوصًا بعد وصول الدعوة الاسماعيلية المصرية إليها وقد جرب الاسماعيلية هناك حظهم فأخفقوا وخابوا ذلك أنهم أرسلوا داعيًا من دعاتهم اسمه عبد الله بن علي العلوي التاهرتي من أهل مدينة (تاهرت) ، في أقصى المغرب ومن ذرية الحسن المثني، أرسله الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى السلطان محمود الغزنوي يدعوه إلى المذهب الاسماعيلي، وكان معه قسم من تصانيف الاسماعيلية ففوَّض السلطان محمود أمره ومناظرته إلى أهل نيسابور وهم جمرة الشافعية وجمهورهم إذ ذاك فاجتمع في محفلة أئمة الفرق وانبرى الشيخ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر النيسابوري المعروف بالبغدادي لمناظرة العلوي التاهرتي، فقطعه وألزمه الحجة بحيث سكت ولم يستطع الجواب ثم رفع أمره إلى الخليفة القادر بالله العباسي، فأمر بقتله، فقتل بنواحي بست بعد سنة أربعمائة للهجرة بقليل (24) ، وكان من نتائج هذه المناظرة ظهور كتاب (الفرق بين الفرق) لعبد القادر البغدادي فهو بمثابة تذكار لانتصار الشافعية الأشعرية على المذهب الاسماعيلي والمذاهب الأخرى غير المعترف بها.