المهمّ في الكلام أن الدراسة اللهجية لا يمكن أن تتم علميًا إلا بالمنهج الوصفي التحليلي مع الاستعانة بما يوفره تقدّم العلم من أدوات مُعِينة في البحث، لذلك رأينا الدراسات اللغوية للهجات المعاصرة تأتي مقنعةً في وصفها للهجة واستنباط قواعدها لأن ذلك إنما يتمّ استنادًا إلى سماع مباشر وملاحظة شخصية، أما الدراسات اللغوية التي اتجهت دراسة اللهجات العربية القديمة وبذلت جهدًا جهيدًا في جمع المادة من الكتب وتصيّد الأحكام والشواهد فإنها جاءت قاصرة عن الغاية، عاجزة عن تصوير تلك اللهجة، إنها دراسات غير متكاملة تقتصر على تقديم ظواهر لهجية طفيفة رواها الرواة في الكتب، أو أشار إليها اللغويون والنحاة.. فالدارس لم يسمع اللهجة التي يدرسها ولا يملك مدوّنةً عنها.. لذلك ترى دارسي اللهجات العربية القديمة يناقض بعضهم بعضا كما رأينا في عزوهم تميمًا إلى الميل إلى الضم، في حين أن بعضهم زعم أنها تميل إلى الكسر.. لذلك كله أرى أنه من باب الادّعاء أن نزعم أننا ندرس لهجة تميم أوطيء أو الحجاز أو غيرها وأنه علينا من باب العلم والتواضع فيه أن نقول إننا نجمع ماذُكر لنا من ظواهر هذه اللهجة القديمة أو تلك.. أي إن دراستنا لأي لهجة قديمة ستكون مجرد جمعٍ لما ذكرته المعاجم أوكتب شروح الشعر أو مطولات النحو.. وفرق كبير بين هذه الدراسة وبين الدراسة العلمية الميدانية، إضافةً إلى أنني أظنّ أنّ أي باحث في لهجات القبائل لا يستطيع أن يقدّم لنا نصًا في عدة أسطر مكتوبًا أومنطوقًا باصوات اللهجة التي درسها لأنه في الأصل لم يسمعها ولا يمكن له أن يدرك إدراكًا شاملًا طبيعتها في الاستعمال.