إن الدراسة العلمية للهجةٍ من اللهجات إنما تعتمد المنهج اللغوي الوصفي التحليلي الذي يستهدف تسجيل أهم الظواهر اللغوية لهذه اللهجة وذلك من النواحي النحوية والصرفية والصوتية ومواضع النبر.. وتشرحها وتوضحها وتضع لها منظومة قاعدية مستنبطة منها مع دعم ذلك بالتعليلات الممكنة للظاهرة، ومثل هذه الدراسة تتطلب الملاحظة المباشرة مما يقتضي الاختلاط بالناطقين بهذه اللهجة في مجالسهم وأسواقهم ومشاهدهم واختيار الراوي أو بالأحرى الرواة الذين عنهم تُتلقى اللهجة وتسجّل في أشرطة التسجيل.. وإذا كان موضوع الدراسة لهجة عربية معاصرة فإنه يمكن مقارنة هذه اللهجة بالعربية الفصيحة من حيث الأصوات وتركيب الجملة والقلب والإتباع لينظر مدى التوافق والتقارب ومدى الاختلاف والتباين.. أو ليرى فيما إذا كانت هناك صفة عامة أوصفات في هذه اللهجة قد حفظ مايشابهها من اللهجات العربية القديمة في ظواهرها المحفوظة مما يدعو إلى القول حينئذٍ إن اللهجة المعاصرة ذات أصول تمتد إلى تلك اللهجة القديمة..
يفهم من كل ما تقدم أن الدراسة المنهجية للهجةٍ من اللهجات إنما تنصبّ على لهجةٍ حيّة تتكلمها مجموعة بشرية في زمن معين ومنطقة محددة، فكيف إذن تُقدَّم لنا الدراسات عن لهجات قبائل أصبح وجودها تاريخيًا (23) ولم يبق من لهجاتها إلا ظواهر حظيت بالتسجيل غير الدقيق مصادفة من غير ما قصْد؟! أيمكن أن تكون تلك الدراسات في صميمها مطابقة لما يوضع من عناوين؟!
لبيان هذا الأمر يمكن ان نختار دراسةً من تلك الدراسات التاريخية للهجات وننظر فيها ثم نعرض لدراسة حديثة للهجة ما تزال قائمة لنرى الفرق بين الدراستين. وقد اخترت دراسة منشورة في كتاب هي"لهجة تميم وأثرها في العربية الموحدة" (24) لا لأعرضها وإنما لأقف لدن مفاصل منها معلقًا حيث يستحسن ذلك.