وذلك بنصب تمييزكم الخبرية على مقتضى اللهجة التميمية، ويقولون إن طيئًا تقول:"حَوْثُ" (18) في حيث، وإن بعض العرب يورد الظرف المبنيّ"حيث"معربًا. وهنا يوردون قراءة مَنْ قرأ (من حَيْثِ لا يعلمون) (19) وهذه الشواهد تتكرر، وقد يوهم تكرُرها كثرتَها، لكنها في حقيقة الأمر محدودة محصورة بمواضع.
إن سبب محدودية ذكر اللهجات والاقتصاد في إيرادها يعود إلى أن اللغويين اتجهوا إلى جمع اللغة الفصحى، واتجه النحاة إلى التقعيد لها متمثلةً على نحوٍ خاص لديهم في عربية القرآن الكريم، وماكان لهم أن يلتفتوا عن ذلك إذ لاأسباب تدعو ولا موجبات توجب، فما الذي يدعوهم مثلًا لجمع مدوّنة لهجية لهذيل أوطيء؟! إنما تهمهم هذه الفصحى التي هي خلاصة نقيّة، وذروة لما انتهت إليه اللهجات المتعددة في تطورها الطويل (20) ، لقد تجلّت في لغة واحدة هي أشد نصاعةً وصفاءً ودقّةً من اللهجات المتباينة، وبها تخاطبوا في محافلهم ودوّنوا علومهم.. لذلك نجد أنّ كل ماورد لدى اللغويين والنحاة مما له علاقة باللهجات إنما ورد عرضًا في سياقٍ يقتضيه، ولم يقصدوا إليها قصدًا.. فإذا ما أراد احدهم تفسير كلمة (زقا) أورد قراءة ابن مسعود (إن كانت إلاّ زقيةً) (21) وهنا يقولون: الزقية هي الصيحة بلغة هذيل.. ولولا هذه القراءة لما نصّوا على معنى الزقية في لغة هذيل ولا التفتوا إليه.. وقل مثل ذلك عندما يمروّن بالآية (ماهذا بَشَرًا) (22) برفع (بشر) ونصبها، فإنهم يتحدثون عن (ما) تميمية وأخرى حجازية...