نعود الآن إلى الطريقة التي جمعت فيها موادّ هذه اللهجات وسجلت ظواهرها فنقول: إن اللهجات القديمة لم تُجمع إذ لم يقصد أحد لجمعها، فنحن نعرف مثلًا أن أبا سعيد السكري (14) جمع ديوان هذيل وفسّره، لكنّ السكري لم يجمع لهجة هذيل في مدوّنة ولا كان يقصد إلى ذلك.. كلّ ما في الأمر أن الشعر الذي جمعه السكريّ ورواه وردت فيه ظواهر لغوية نسبت إلى هذيل.. فهل يجوز أن نستند إلى هذه الظواهر المحددة لنطلق عليها لهجة هذيل مع العلم أن الشعر المجموع قد ورد بالعربية الفصحى..؟ !
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي (15) قد صنف كتاب العين، ونصّ فيه على المهمل والمستعمل في لغة العرب، وأورد فيه شواهد كثيرة من كلام العرب وأمثالهم وشعرهم وعلى مثاله سار المعجميون من بعده، سواء اتبعوا طريقته في الترتيب أو خالفوا ذلك.. المهم في الأمر أن محاولة الجمع والاستيعاب للغة مع مراعاة ترتيب مااشتملت على ذكرٍ للهجات التي كانت تسمّى"لغات"لكنّ هذه اللهجات كانت تُذكر عَرَضًا بمناسبة ورود شاهد أو ذكر مثل أو قراءة قرآنية، ومع كثرة المعجمات العربية القديمة واتساعها فإننا لا نعرف معجمًا خصص للهجةٍ من اللهجات، بل إن ماذكر في المعجمات المتقدمة من اللهجات أخذ يتكرر في المعجمات اللاحقة من غير ما إضافةٍ ذات فائدة وكذلك الأمر في كتب النحو ومطولاته وكتب تفسير القرآن الكريم، بمعنى أن الشاهد الذي ينتهي للهجةٍ معينة يتعاوره النحاة ويدور في كتبهم، فنحن مثلًا نجد البيت:
فقلت ادعُ أخرى و ارفع الصوت جهرةً
في معظم كتب النحو واللغة شاهدًا على الجر بـ"لعل"في لهجة عُقيل، كذلك نجدهم يوردون بيت الفرزدق: ... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري (17)
كم عمةً لك ياجرير وخالةً