وإذا كنا نغفر للنحاة الأوائل هذا نتيجة ظروفهم الخاصة وطبيعة المرحلة التي عايشوها فكيف لنا أن نغفره للغويين المحدثين خصوصًا بعد أن كشفت الحفريات الحديثة منذ مطلع هذا القرن لغات لم تكن معروفة قبل مثل (الأكدية- والآرامية- والايبلائية- والأُوغارتية- والفينيقية..الخ) .وهي كلها شقيقات للعربية وخير مساعد لها، وبعد أن وفرت المطابع الحديثة معاجم (للغات السامية) ومصنفات لقواعدها مفهرسة ومبوبة وجاهزة وهي تنتظر من يبحث عنها.فإذا رجعنا إلى الآية الكريمة (إنْ هذان لساحران) مثلًا نجد في كتب اللغة أن القراء كانوا وما زالوا يختلفون. فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا ( [12] ) وقد حار الأوائل في تعليل هذه المشكلة، فزعم بعضهم أن في القرآن لحنًا فقد روى أبو معاوية محمد بن خارم التميمي السعدي المتوفى 193 للهجرة عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام عن أبيه عن عائشة أنها قالت (ثلاثة أحرف في كتاب الله هن خطأ من الكاتب: قوله(إن هذان لساحران) ( [13] ) وهذه قراءة ابن كثير وحفص، أما أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر فقد قرآ (إنَّ هَذَينْ لساحران) على الجهة الظاهرة المكشوفة وقد قرأ ابن مسعود (أنْ هذان لساحران) بفتح همزة إن وهي بمعنى (نعم) ( [14] ) . وقرأ أبيُّ (إنْ هذان لساحران) بإسكان نون (إنْ) وقد تكلم النحويون في هذه واعتلوا لكل حرف منها ( [15] ) فقال بعضهم ببناء (هذان) وقال غيرهم بإعرابها ( [16] ) ....الخ.
والقضية برمتها كما قلنا قضية تاريخية كانت فيها الألف الممالة في العربية (e) علامة النصب في المثنى كما في الأكدية والأوغارتية لكنها كتبت فيما بعد في العربية ألفًا طويلة لعدم وجود رسم للإلف الممالة في لغة الضاد.