2-إنَّ ما استقرَّت عليه العربيةُ هو الجذرُ الثلاثي، وقد صارت الثلاثيَّةُ من خصائصها، عليها بُنيِتْ معاجمُها، وعليها بُني ميزانُها الصرفي، وعليها بنيت تقاليبُها الستة عند من يعتقدها، ويَأَنَسُ بها لمعرفةِ معاني كلمات غريبة من الجذر ذاته. إن السليقةَ العربية أو الذهن العربي سَرْعَانَ ما يَلْجأ إلى هذه الثلاثية لمعرفة الدلالات العامة لكلمةٍ ما، فعندما يمر بكلمةٍ مثل (ملاذات) مثلًا، يردها عفويًَّا إلى الثلاثي (لاذ) الذي يعطيه المنطلَق الدلالي للكلمة وما تحمله من معنى اللجوء إلى الشيء أو النزوعِ إليه أو الاحتماء به. وكذا عندما يَسمع كلمة (مُدَرَّعة) فانه يردها عفويًَّا- إن كان لا يعرف معناها- إلى الجذر الثلاثي (درع) . هذه الطريقة من التحليل فرضتْها خصائص اللغة العربية على الذهن العربي. من هنا تبدأُ مشكلتنا مع المنحوتات في أنها كَسْرٌ لهذه الخاصية الثلاثية للجذر العربي الذي تقومُ عليه غالبيةُ اللغة، فالإنسانُ العربي عندما بمر بكلمة مثل (النَّقْحَرَة) ( [61] ) لا يجدُ سبيلًا لفهمها إلا إعادتَها إلى الثلاثي فيجد أمامه (نَقَح أو نَقَر) وأين هذه الجذور مما أراده الناحتُ من تحميلها معنى (نَقْل الحروفِ) من اللغات الأجنبية إلى العربية. وكذا لو مَرَّ بالنحيتة (صَلْكَل) ( [62] ) ، فان ذهنَه سينصرف إلى الجذور (صلك، صكل) وأنَّى له أن يعرف أن مُراد الناحت بها هو (استأصل الكلية) . فقد يُعْترض علينا بأن شرح المصطلحات يبين المراد منها، وجوابُنا أننا نولِّد كلماتٍ جديدة لنُفْهم ونُبين، ومتى احتاج المولَّد- لفظًا حضاريًا أو مصطلحًا- إلى تعريفٍ فَقَدَ مُسَوغَ توليدهِ وهو الإيضاح والتبيين، ومن أهم شرائط اللفظ المولَّد أن يشف- ولو يسيرًا- عن دلالته.