وإذا ألقينا نظرة على حالة النثر في العهد الأموي، فإننا نلاحظ تطورًا ملموسًا، أبرزته أحداث الجزيرة العربية، وأفضت إليه فتوحات المسلمين وانصرافهم إلى دراسة القرآن وتأثرهم به، واهتمامهم بحفظ الأحاديث، وتنافسهم في إحياء تراث الجاهلية، وقد ظهر هذا التنافس في العصر الأموي بعد أن بعثت العصبية القبلية، التي خنقها العهد الإسلامي الأول وقضى عليها.
كانت الكتابة في العصور السابقة تتميز بالبساطة والإيجاز، فتنوعت أساليبها في عصر بني أمية، وتعددت طرقها وأغراضها، وتأنقت ألفاظها ورقت، حتى أصبحت فنًا خاصًا، له نظمه وقواعده. ونشأت على أثر ذلك دواوين الكتاب. واشتهر من ناثري ذلك العصر، عبد الحميد الكاتب (134هـ) وعبد الله بن المقفع (143هـ) .
وكما كان الشعر سلاحًا ماضيًا تستخدمه الأحزاب والعصبيات في صراعها السياسي، فإن النثر استخدم عن طريق الخطابة للدعايات السياسية، واعتمد وسيلة للتفاخر والتفاضل في الصراع القائم بين الشيعة والزبيرية والخوارج والأمويين، واليمنية والعرب والشعوبيين، وعلى الأخص الفرس.
وإذا استعرضنا خطباء ذلك العصر، لعددنا في طليعتهم معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز، والحسين وابن الزبير وابن الأشعث والمهلب والحجاج وخالد القسري، والمختار الثقفي، وقتيبة بن مسلم، وسحبان بن وائل.
ثم في العصر العباسي أصبحت اللغة العربية، نظرًا للتطور الذي أصاب المجتمع، بحاجة إلى تطوير وتهذيب، وتوسيع، وضبط، خصوصًا بعد أن استقر العرب في الأقطار التي افتتحوها، وخالطوا الأعاجم واحتكوا بها من سكان البلاد.
كانت اللغة العربية في هذا الدور شائعة في البلاد الفارسية، وظلت تنتشر في هذه البلاد وتمتد، فكان من أثر ذلك أن تأثرت بالمفردات والتراكيب الأعجمية ولجأ العرب إلى اشتقاقات جديدة استدعتها التطورات الجديدة والحاجات الجديدة.