إن أول من خرج على نظريات اليونان الطبية هو الرازي، خرج عليها، ولم يصرح بذلك، بل قال في رسالته"الجدري والحصبة":"فلنبتدئ الآن بذكر الفاعل لهذا الداء، ولما لا يكاد يفلت منه ولا واحد من الناس، ثم ما يتلو ذلك فصلًا فصلًا"، إلى أن قال:"ومن أجل ذلك يشبه دماء الصبيان والأطفال العصارات التي يبتدئ فيها الطبخ المؤدي إلى النضج العام، ولم تبلغ فيها الحركة إلى الغليان وتشبه دماء الشبان ما قد غلي ونشَّ من العصارات، وانقشعت عنه كثرة الأبخرة وفضولها، كالشراب الذي قد انفشَّت عنه قوته وقرب أن يبرد ويصير خلًا"، وقال كذلك:"ويكون الجدري عند عفونة الدم وغليانه". (15) .
إن تشبيه ما يحدث في الدم من تأثير (جرثوم) الجدري بما يحدث عند تحول الخمر إلى خلَّ، هو تشبيه سليم يدل على أن الرازي فكر بوجود عامل ما يؤثر في الدم فيحدث فيه ما تُحدثه الخمائر حين تحول الخمر إلى خل، والعصير إلى خمر، فالرازي أول من فكر هذا التفكير وعلَّل هذا التعليل، وليس لنا أن نطلب إليه أكثر من هذا في زمن يفتقر فيه العلماء إلى ما هو ميسّر لنا الآن من مخابر ومجاهر ومعامل وغيرها، ولم نر الرازي هنا اتباعيًا يسير على نهج اليونان في تعليل أسباب الجدري، فلم ينسب المرض إلى اختلال في توازن العناصر والطبائع والأخلاط والأمزجة، ولا عجب فالرازي نجده في أحسن حالاته وأوضح تحليلاته عندما يتحرر من قيود الكليات اليونانية في الطب، ويكتنفه الغموض والإبهام كلما انضوى تحت لواء فلسفة اليونان الطبية أعني كليات الطب اليوناني.
لقد تناول الرازي أول وصف سريري للجدري في رسالته"في الجدري والحصبة"، والوصف في نظري أول خطوات المنهج التجريبي، والمنهج التجريبي هو أساس النظريات الصحيحة في نظر العلم الحديث. قال الرازي: يتقدم ثوران الجدري حمى مطبقة في الظهر وحكاك الأنف والتفزع من النوم (6) .