وأبو بكر (الرازي) أول واضع للتشخيص التفريقي بين الحصبة والجدري، فاستمع لبعض ما قاله في هذا الخصوص:"غير أنَّه لا يكون في الحصبة من وجع الظهر مايكون مع الجدري ولا في الجدري مايكون من الكرب والغشي في الحصبة (7) ".
ومن مبتكرات الرازي، محاولته تطبيق معرفته بالكيمياء على الطب، فكان ينسب الشفاء إلى التفاعلات الكيماوية التي تحدث في الجسم، وهذه النظرية لا تختلف عن النظرية الحديثة في وظيفة الدواء وأثره في جسم الإنسان العليل، واستعمل الرازي الضوابط Controles في تجاربه، وإن استعماله لها يدل على أنه عرف التجربة العلمية بمعناها الصحيح، فلكي يتحقق أثر الفصد في علاج مرض السرسام Meningitis قسم المرضى إلى مجموعتين يعالج أحدهما بالفصد، ويمتنع عن فصد الأخرى، ثم يراقب الأثر والنتيجة في كل أفراد المجموعتين ينتهي عن طريق المقارنة إلى قيمة العلاج، وإليك ما قاله في هذا الخصوص:"فمتى رأيت هذه العلامات فتقدم في الفصد، فإني قد خلصت جماعة به، وتركت جماعة متعمدًا استدني بذلك رأيًا، فسرسموا كلهم (8) ".
ولم يكتفِ الرازي بإجراء التجارب على المرضى من الناس، بل أجراها على الحيوان، ومنها القردة على اعتبار أنها شبيهة بالإنسان، فاستمع إلى قوله في خواص الزئبق:"أما الزئبق العبيط فلا أحسب أنَّ له كبير مضرَّة إذا شُرب أكثر من وجع شديد، سقيت أنا منه قردًا كان عندي فلم أر أنه عرض له إلا ما ذكرت وخمَّنت، ذلك من تلويه وقبضه بفمه ويديه على بطنه". وقال كذلك: وأما إذا صبَّ في الأذن منه فإن منه نكاية شديدة، وأما المقتول منه والمصعد خاصة Sublimate فإنه قاتل (9) "."
وكان الرازي كالطبيب الحديث يدرك أهمية التجارب الذاتية أي الشخصية، فاسمع قوله في هذا المجال:"جرَّبت في نفسي ورايت أن أجود ما يكون أن ساعة ما يحس الإنسان بنزول اللهاة والخوانيق يتغرغر بخل قابض مرات كثيرة (10) ".