فهرس الكتاب

الصفحة 1494 من 23694

وقال الدكتور التجاني الماحي في كتابه"مقدمة في تاريخ الطب": كانت نظرية الأخلاط الأربعة هي النظرية السائدة، على ضوئها باتوا يعللون وظائف الجسم ونشوء المرض فيه. ولم يستطع العرب أن يحسِّنوا معرفتهم في هذين العلمين، أو أن يأتوا بجديد فيهما (3) .

إن ما قاله التجاني من أن نظرية الأخلاط الأربعة هي النظرية التي كانت سائدة عند أطباء العرب، يتفق والواقع، ولكن لي اعتراض على قوله:"ولم يستطع العرب أن يحسِّنوا معرفتهم في هذين العلمين، ويعني بهما الفزيولوجيا Rhysiology وعلم الأمراض Pathology، ولم يأتوا بجديد فيهما"، فأقول: إن الأطباء العرب لم يتقيدوا بنظريات اليونان الطبية تمامًا، بل قبلوا منها ما قبله العقل وأيدته التجربة، ورفضوا ما رفضه العقل ولم تؤيده التجربة، فاسمع إلى ما قاله ابن رشد في هذا الخصوص:"علينا أن ننظر إلى ما قالته الأمم السابقة، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه، وماكان غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه، وعلينا أن نستعين بسبيله بما قاله من تقدّمنا في ذلك، سواء أكان هذا مشاركًا لنا في الملّة أو غير مشارك، إذا كان فيها شروط الصحة (4) ".

لقد رسم ابن رشد ـ وهو فيلسوف وطبيب ـ لنفسه ولمن أتى بعده هذا المنهج السليم في تعامله مع نظريات من تقدمه من أمم فخطا خطوات في طريق البحث العلمي وخاصة حينما قال:"فما كان موافقًا للحق قبلناه... وما كان غير موافق للحق نبَّهنا عليه وحذَّرنا منه.".

مهما يكن من أمر، فإننا إذا أردنا أن نعرف أثر النظريات اليونانية في الطب العربي وجب تقسيم الطب العربي إلى دورين: دور مقدمة الخروج على النظريات اليونانية، ودور الخروج على هذه النظريات.

1 ـ دور مقدمة الخروج على نظريات اليونان الطبية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت