وقد أُعيدت طباعة هذا الكتاب عدَّة مرات في السنوات الأخيرة، وترجم جزئيًا إلى اللغة الروسية. ويتصل بهذا الكتاب كتاب آخر بالمضمون نفسه، وإن كان أقل منه حجمًا بكثير وهو كتاب"مراتب العلوم"، الذي لم يصلنا، إلا في ترجمته اللاتينية (وهو مترجم إلى اللغة الروسية) ، وقيمة هذا الكتاب في أن صاحبه يركز اهتمامه الأساسي على تحليل مصادر تنوع العلوم وأسبابه، وعلى تعيين خصائص موضوعات العالم الواقعي التي تشكل مادة كل فرع من فروع المعرفة العلمية (5) .
ويولي الفارابي في كتابه الثاني تحليل الموضوعات ذات القيمة العلمية، وهي خصائص الوجود وأشكاله التي تدرسها فروع العلم المختلفة، اهتمامًا أكبر ويتناول فيه أساسًا العلوم الفلسفية والطبيعية.
كان لتصنيف الفارابي للعلوم شأن كبير في التطور اللاحق للمعرفة العلمية، وكان في أساس التصنيفات التالية للمعرفة، وهذا التصنيف بمجمله ذو طابع مادّي من حيث مضمونه.
وفي بعض الكتب السوفييتية حللت هذه التصنيفات تحليلًا دقيقًا كما في كتابينا"مذهب الفارابي وأهميته في تاريخ الفلسفة"، 1967م، و"الفارابي"، 1976م، طشقند.
ووصلنا أيضًا مؤلف عبد الله الخوارزمي"كتاب مفاتيح العلوم" (6) . المخصص لمنهجه فروع المعرفة الموجودة في الشرق الإسلامي في القرون الوسطى وتصنيفها. ولعلَّ كتاب الخوارزمي أكمل نهجًا، بمعنى أنه يصف فيه بالتفصيل موضوع كل فرع من فروع المعرفة ومصطلحاته. وعلى سبيل المثال نراه وهو يدرس مضمون هذا الفرع من فروع المعرفة أو ذاك وغايته، يعطينا، تعريفات موجزة تشكل بمجموعها موضوع هذا العلم. ولبحث الخوارزمي هذا قيمة استثنائية، بوصفه مصدرًا يعطينا تصورًا كاملًا، منظمًا وموجزًا عن موضوع العلم في القرون الوسطى ومقولاته. إلا أنه يختلف من حيث مبدأ التصنيف المعتمد فيه عن تصنيف الفارابي.