وقد فعل ذلك بعض المفكرين الغربيين إذ شجعوا الاستبداد بغية تعميم الحقد عليه. لكن الطريق الأمثل لإزالة الاستبداد، في تصور الكواكبي، هو تجنب مثل تلك الثورات الدامية، والاستعاضة منها بالعمل الدؤوب على تجديد الدين وتنقيحه لتجديد أخلاق الأمة والنهوض بها عن طريق إحياء العلم، وإيقاظ الشعور على ضرورة استبدال حكومة شورية بالاستبداد. ثم حمل الأمة على البحث في القواعد السياسية المناسبة لها.
ويركز الكواكبي على أهمية برنامج تدريجي كامل لإصلاح أحوال الأمة. بحيث إن الثورة على الاستبداد لا تبدأ إلا بعد توافر شروط نجاحها، لأن (( كل أمر، كليًا كان أو جزئيًا، لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين مع أهميته ) ) (39) وإلا كان نصيبه الفشل. لذلك يجب أن تكون مقاومة الاستبداد مقاومة واعية منظمة. وتنظيم المجتمع يقوم على التضامن والاتحاد بين الأفراد ثم بين الأمم. ويجب ألا تكون الفوارق الدينية عائقًا للاتحاد الجنسي (=الوطني) بين الناس، كما يجب ألا تكون الفوارق الجنسية عائقًا للاتحاد الديني بين الأمم.
ويضرب الكواكبي مثلًا على تجاوز ذلك كله بأمريكا، التي وجدت لنفسها مخرجًا من تضارب الانتماءات. فما أحرانا أن نفتكر في ما وصل إليه الغربيون، لنتعظ بما لاقوه من الأهوال، وهم في طريقهم نحو تحرير أنفسهم من سطوة الاستبداد. فإذا كان أقرب طريق للإصلاح السياسي، هو إصلاح الدين، والعودة به إلى أصوله الصحيحة الأولى؛ وإذا كان النهج التدريجي، هو أفضل السبل لتحقيق الهدف؛ لذلك فإن البرنامج التدريجي الواعي يجب أن يبدأ من إصلاح الدين لتصلح السياسة.
3-إصلاح الدين:
إن كل إنسان مطالَب بأن يتبع في أخلاقه وأعماله قانونًا يتوافق ومجتمعه في أساسياته، كذلك على كل قوم أن يتخذوا قانونًا لا يتضارب مع قوانين الأقوام الذين تربطهم معهم علاقات من أي نوع كانت، وذلك حتى يتم التآلف والتعايش بين الأقوام.