أمّا إذا اشتد الاستبداد وانفجرت الفتنة فعلى العقلاء أن يتباعدوا عنها، مبدئيًا، حتى يتم حصد المنافقين والمستبدين، بعدئذٍ عليهم أن يوجهوا أفكار الناس، بالحكمة، نحو تأسيس العدالة، وذلك بالإشراف على إقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا بمن لهم علاقة بالفتنة التي حدثت، وذلك ليصار إلى بناء حكومة جديدة جذريًا.
ويبين الكواكبي كيفية اندلاع الفتنة أو الثورة الفجائية على الاستبداد، من خلال استعراضه بعض أحوال مخصوصة تهيّج العوام. فهي لا تحدث غالبًا إلا عقب أحوال منها:
1-مشهد دموي يوقعه المستبد على مظلوم
2-حرب يخرج منها المستبد خاسرًا
3-إهانة المستبد الدينَ
4-تضييق اقتصادي شديد
5-مجاعة أو مصيبة عامة
6-تعرّض المستبد للمحرمات
7-مناصرة المستبد العدو
إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال.
لكن المستبد يحاول التحسّب من تلك المزالق بمساعدة من أعوانه.
وقد يحدث أن يسوقه بعض معاونيه للوقوع في إحداها، وهم أقدر الناس على الإيقاع به، لذلك يحاول محاباتهم وإذا أراد شرًا بأحدهم فإنه يوجه إليه ضربة مباغتة.
ولمن يريد إثارة الشحناء، ضد الاستبداد، يرسم الكواكبي بعض الطرق لمناهضة المستبد تحت ستار الدين، بإلهائه بالفسق والفجور، وتغريره بأن الأمة راضية عنه، وقيادته إلى ضرورة المزيد من التشديد لحفظ النظام، وحمله على إساءة التصرف، وكتمان الرشد عنه لإبعاده عن ملاحظة ما يُخطط له، وبجعل أعوانه يغضون الطرف بإشغالهم في نهب مال الأمة (38) .