فهرس الكتاب

الصفحة 14845 من 23694

ولهذا فإن (( الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأما التي تحصل عليها إثر ثورة حمقاء فقلّما تفيد شيئًا ) ) (34) ، ومن يريد أن يأخذ بيد الأمة، لإنقاذها من شر الاستبداد، ومساعدتها على اقتلاعه من جذوره؛ عليه (( أن يبث فيها الحياة وهي العلم، أي علمها بأن حالتها سيئة وإنما بالإمكان تبديلها بخير منها ) ) (35) . فإذا شعرت بآلام الاستبداد ومساوئه تتحمس للتخلص منه وتسعى لاستبداله. وإيقاظ شعور الاستياء في الأمة، التي تعاني من وطأة الاستبداد، إنما يقع على عاتق ذوي الشهامة، ممن يرغبون في نهضة قومهم، الذين على كل واحد منهم، حتى يصغي الناس إليه، أن يحرص على ترقية معارفه، وإتقان أحد العلوم، والمحافظة على الآداب العامة، وقلة الاختلاط بالناس، وتجنب مصاحبة الحكّام والممقوتين، وتجنب الحسد، واختيار الأصدقاء، وكتم الآراء، والتحلي بالأخلاق الحميدة، والثبات على المبادىء، والشفقة على الضعفاء، والغيرة على الوطن والدين (35) . حتى إذا عمّ الوعي واجتمع الرأي، بدأت على الاستبداد حملةٌ شعواء. وهذا يقودنا إلى الشرط الثاني الذي وضعه الكواكبي لرفع الاستبداد، ونعني به مقاومة الاستبداد باللين والتدرج لا بالشدة والعنف. والوسيلة الوحيدة لإزالته (( هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس ) ) (36) من قبل الراغبين في نهضة الوطن، وتخليصه من أسر الاستبداد وشروره. والذين عليهم أن يعلموا أن اقتناع الناس بضرورة التخلص منه لا يتأتى إلا في زمن طويل، وأن إزالته ليست بالأمر السهل، بل هي تحتاج إلى جهد وصبر طويلين. كما لابد من معرفة (( أن كل أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمرا مما إذا حصل بمزيد قوة في زمان قصير ) ) (37) فلا ينبغي أن يقاوم الاستبداد بالعنف كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدًا، ثم لا تثمر عن شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت