لذلك فإن (( تقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر ) ) (33) ، خاض فيها كثير من الباحثين، بغية رسم معالم الحكومة الصالحة، ولكن قلّ من توصل منهم إلى ذلك، وحتى لو أن بعضهم اتفق على بعض القواعد الأساسية، إلا أنهم اختلفوا في وجوه تطبيقها على أحوالهم الخاصة.
هذا علاوة على أن من يتولّى السلطة لا يلبث أن يحنث بوعوده، التي قطعها على نفسه في تحقيق العدالة والحفاظ على المصلحة العامة، بل إنه ليأتي بأفظع الجرائم ثم يحاول تأويلها على أنها لمصلحة الأمة. وهذا كله لأنه يمتلك القوة التي تغريه بالاستبداد. (( ولأن القوة لا تقابل إلا بالقوة ) ) (33) ، لذلك على الأمة، التي يحكمها الاستبداد، أن تقاومه بكل ما أوتيت من القوة. لكن الأمة، إذا رسخ فيها الاستبداد وتعودته، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف قيمة الاستقلال؛ بل هي تتعود التبعية العمياء. وحتى إذا نقمت على المستبد، فإنها تنتقم من شخصه ولا تقتلع الاستبداد من جذوره، وهكذا تستبدل مستبدأ بمستبد. وقد تتحرر من الاستبداد عفوًا وبلا تخطيط فلا تلبث تتخبط في الفوضى حتى يعاودها الاستبداد أشد وطأة وأكثر شرًا.