إذًا لابد من إزالة الاستبداد الذي يضغط على العقول، قبل البدء بالعملية التربوية الشاملة السليمة، وإزالته لا تعني بالضرورة إزالته ماديًا، وإنما إزالة ضغطه على العقول، بالتوعية المبدئية على أنه شر يجب التخلص منه، وأنه يداري قسره بجهلنا، ثم بعد أن يتم القضاء عليه، يمكن البدء بعملية التربية الشاملة، التي لا ينتظر منها أن تؤتي ثمارها إلا في زمن طويل. (( ومن الحكمة استعمال اللين والتدريج والحزم والثبات في سياسة الإرشاد، كما جرى عليه الأنبياء العظام ) ) (26) . فقد ينفر الناس من التربية إذا لم تأتهم بشكل يتناسب وأوضاعهم الراهنة. على العلماء أن يجتهدوا في إيقاظ الناس وتوعيتهم على ضرورة محاربة الاستبداد، وأن يبينوا لهم كيف يعيش الإنسان هانئًا إذا كان حرًا طليقًا (( وخلاصة القول أن الأمم التي يسعدها جدها لتبديد استبدادها، تنال من الشرف الحسي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أسراء الاستبداد ) ) (27) وإذا أردنا نيل هذا الشرف علينا السعي نحو الترقي الحيوي، الذي يتدرج فيه الإنسان، من الترقيّ بالذات، إلى الترقي بالعائلة. ثم بالعشيرة، ثم بالإنسانية. ويجب ألاّ ننسى أن الترقي يقوم على أسس من العلم والتربية، وتهذيب النفس والأخلاق، والارتقاء بالعلاقة مع الآخرين بالتعاون. والترقي يتم بالموازنة بين الإدارة والرغبة، وبين النفس والعقل، ولابد من تغليب العقل على النفس لتغليب الإرادة على الرغبة. وهذا يتحقق بمساعدة الأديان، التي لا يمكن إغفال دورها في إحداث الترقي الإنساني، إلا أنها، بالوقت نفسه، يجب ألا تُتَّخذ ذريعة لإحداث التفرقة بين الإخوان، الذين يتبعون أديانًا مختلفة (28) .