ومن الضروري أن يشمل التعليم كل الأعمار والفئات، ولكل بحسب ما يناسبه (( ولابد أن تصحب التربية من بعد البلوغ، تربية الظروف المحيطة، وتربية الهيئة الاجتماعية، وتربية القانون أو السير السياسي، وتربية الإنسان نفسه ) ) (22) لأن التربية عملية اجتماعية، تلعب فيها الظروف المحيطة دورًا رئيسًا. كما أن التعليم لا يفيد شيئًا، إذا لم يأتِ عن اقتناع المتعلّم بضرورته. والاقتناع يقوم على الحرية بين طرفي العلاقة: المعلّم والمتعلّم، ويعتمد على الحوار بدل التلقين، ويكون بما يتلاءم مع ميول المتعلم ورغباته. وهذا ينسجم مع تعاليم الأديان، التي تسترشد بالإقناع طريقًا للهداية، في الدرجة الأولى، ثم تحاول ذلك عن طريق الترغيب ثم الترهيب.
والتربية المطلوبة هي إعداد العقل للتمييز والمحاكمة، وحث الناس على تقوية الإرادة وعلى إتقان الأعمال، وهي تربية تشمل العقل والنفس والجسم، فتقوي الأجسام وتحيي العلوم وتنمّي الأخلاق وتربي النفس (( على معرفة خالقها ومراقبته والخوف منه ) ) (23) وتدعو إلى كل ما هو خير (( لا ينبت إلاّ في أرض العدل، تحت سماء الحرية، وفي رياض التربيتين العائلية والقومية ) ) (24) .
ولأن التربية غير ممكنة في ظل الاستبداد فعلى عقلاء الأمة أن يسعوا إلى رفع الضغط عن العقول لتنطلق في سبيلها وتمزق الأوهام، وأن يقنعوا الناس بأنّهم خلقوا لغير الذل، وأن يحركوا قلوبهم بخطابات مثيرة تدفعهم إلى اليقظة، وترفع عنهم التأخر، وأن يجعلوهم واثقين بأنفسهم (( ثم بعد ذلك يعتنوا بالتربية حيث يمكنهم حينئذ أن ينالوها على توالي البطون (( 25) .