وقد اتفق الحكماء على أن إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة والعزم القوي، وقد سلك الأنبياء، لإنقاذ الأمم من فساد الأخلاق، مسلك الابتداء أولًا بفك العقول من الشرك بالله، ثم جهدوا في تنويرها بمبادىء الحكمة وتعريف الإنسان بأنه حر مختار، ثم علّموه أن الإنسان مكلّف بقانون الإنسانية، ومطالب بحسن الأخلاق، وعلموه ذلك بأساليب التعليم المقنع، وبث التربية التهذيبية. والحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء في سلوك هذا الطريق وهذا الترتيب، أي بالبدء بالفطرة الدينية، التي تؤدي إلى تحرير الضمائر، ثم بالتربية والتهذيب والتعليم، فجددوا الدين ونقّحوه وأصلحوه، لتجديد خليق أخلاق الأمم. أمّا بعض الحكماء الغربيين المتأخرين فقد حاولوا اختصار الطريق، بتشجيع أعوان المستبد على الفساد، لإيقاظ الحقد عليه، بغية تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق. إلا أن بين الشرقي والغربي فروقًا كثيرة مما يجعل من غير الممكن اتباع مذاهب زعماء الحرية في الغرب، الذين نشأت حركة قوية في أفكارهم، بعد أن نقل الإسلام العلم إليهم، فاغتنموا قوة هذه الحركة وأضافوا إليها مالا يصلح للشرقيين، من ذلك: التغني بالحرية بدل الدين، واستباحوا القسوة، وقاعدة أن الغاية تبرر الوسيلة، لكننا، نحن، لا يمكننا أن نلتمس دواءنا إلاّ (( عن طريق إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين ) )فننشر التعليم العملي والثقافة الاجتماعية ببساطة ووضوح مسترشدين بهدى العلماء (21) .