بناء عليه، علينا ألاّ نغترّ بما يتشدّق به الوزراء والقواد من الإنكار على الاستبداد وادعاء مطلب الإصلاح، وألاّ ننخدع لمظاهر التقوى في بعضهم، ولا نثق بهم، لأن الخير ينافي سيرهم وسيرتهم، وهم لا يقصدون بادعاءاتهم ومظاهرهم غير إقلاق المستبد، وتهديد سلطته ليشاركهم في استدرار دماء الرعية، واستباحة أموالها. ولنعلم أن العقلاء والمثقفين، هم الوحيدون القادرون على تحرير البلاد. والقضاء على الاستبداد وأعوانه، حتى إذا نشروا الوعي بين الناس هبّوا جميعًا إلى إزالة الاستبداد واستبدال حكومة شوريّة به ينعم في ظلّها الناس بالحرية والمساواة.
2-التدريج:
إنّ عملية الإصلاح لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، لذلك لا يطالب الكواكبي بالتغيير المفاجىء، وإنّما يريد أن يتم التغيير بالتدريج، فإذا كان (( سبب الخلل النازل هو الجهل الشامل ) )فلابد من (( إنذار الأمة بسوء العاقبة) وتقريع أفرادها على تفرقهم وتقاعسهم وسكونهم إلى الجهل إلى أن يدركوا أن (( الدواء هو: أولًا تنوير الأفكار بالتعليم، ثانيًا إيجاد شوق للترقي في رؤوس الناشئة ) ) (18) وليس هذا بالعمل الهين، وإنما يحتاج توجيه الرأي العام إلى صبر وجهد (( ولا يخفى أن إصلاح الفكر العام دونه صعوبات كثيرة: لأن العامة تأبى قبول كل ما يخالف ما تقرر عندها ) ) (19) . ولابد أن يتصدى لهذا العمل العلماء الغيورون، فيستعملون النصح والتوبيخ مع الشباب، ويحاربون فتور الشيوخ بجرائد مخصوصة، تقابلهم باللوم والتبكيت، ويسلطون عليهم أقلام الأدباء وألسنة الشعراء، وبمثل هذا التدبير تثور حرب أدبية بين الناشئة والواهنة حتى يدبّ حبّ العلم في النفوس وتنصلح الأخلاق ويكثر في الأمة أباة الضيم (20) .