فهرس الكتاب

الصفحة 1484 من 23694

ومما له دلالاته أنَّ العلوم قُسِّمَت تقسيمًا صارمًا منذ بدء تراكم المعارف المختلفة إلى علوم دينية (وكانت تسمى بأسماء مختلفة لدى مختلف المؤلفين فهي علوم روحية وإسلامية وتقليدية الخ...) . وعلوم طبيعية أو فلسفية.

وهكذا فحتى المفكر العربي المعروف"ابن خلدون"، الذي عاش فيما بين القرنين الثامن والتاسع يقرر وجود هذا التقسيم. فهو يقول في كتابه"المقدمة"مايلي:

"اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هو العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلاَّ أنَّ هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقليّ، فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه، واصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئها للإفادة. ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملَّة وبه نزل القرآن".

هذا الفصل الصارم بين العلوم"الوضعية"، و"الطبيعية"كان بداية عملية فصل الفلسفة والعلم عن الدين. وتظهر هذه العملية على نحو أكثر وضوحًا وتحديدًا في مؤلفات المفكرين المتأخرين (3) كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت