وهكذا أدَّت المعارف العلمية المتنوعة والكنوز الثقافية الغنية لمختلف البلدان بتركزها في مدن الخلافة المركزية إلى تطوّر سريع في المعرفة الوضعية ككل على اساس التفاعل بين هذه المعارف والكنوز والتأليف بينها، وإلى نموّ سريع في بعض فروعها. وكان من نتيجة تراكم هذه الكمية الهائلة من المعارف المتنوعة جدًا، دينية وطبيعية وفلسفية، تأملية ودقيقة، هندية ويونانية وفارسية وعربية خالصة، إن نشأت الحاجة إلى إجمال هذه المعارف وتصنيفها ووضع نظام واحد لها، وتعيين مكانات فروع المعرفة المختلفة وشؤونها ووشائجها في إطار المعرفة العام. وكانت لهذا الأمر أهميته المنهجية الكبيرة.
كان من شأن منهجية المعارف أن يهيء سبلًا لحلّ أغراض منهجية مطروحة أمام الحياة الفكرية لتلك المرحلة:
آ ـ فالوصول إلى نظرية عامة ذو أهمية فلسفية لأنها تمهد السبل لتصوّر واحد عن الوجود، أشكاله وأجزائه وعناصره وتدرّجاته.
ب ـ وهو ذو قيمة علمية لأنها كانت تساعد في تمييز المعارف، وتعرِّف مراتبها، وإظهار شأن كل فرع من فروع العلم وأثره في نظام المعرفة الواحد.
ج ـ وهي ذات أثر توجيهي، تربوي ـ وهذا ليس بالأمر اليسير لمرحلة في القرون الوسطى كان يُبنى نظام الدراسة والتعليم الجامعي فيها، فإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ التعلم الذاتي كان ذا شأن كبير في التطور اللاحق للعلم في هذه المرحلة، أدركنا ما لتحديد نظام واحد ومتماسك للمعرفة من قيمة هائلة من دون شك.
أدّت منهجية المعرفة عضويًا إلى تصنيفها، وقد استلزمته قبل كل شيء ضرورة تنظيم العلوم الطبيعية والدقيقة، أي المعلومات المتوافرة عن الطبيعة التي تطورت بدورها تطورًا كبيرًا تبعًا لحاجات المجتمع العملية.