فهرس الكتاب

الصفحة 14818 من 23694

ولا يمكن فهم الحركة الصوفية في فترات كثيرة من تاريخها إلا من خلال إحساس أصحابها بتناقضات هذا الواقع وخطورته. حين يدعى الحلاج لمناظرة العلماء أمام الخليفة- وقد دعي تاريخيًا- فإن هذه الدعوة تبدو عادلة في مظهرها، أما في حقيقتها فهي أشبه بإلقاء مصارع مكبل أمام خصمه- أو خصومه- فالأرضية التي تقوم عليها المناظرة ليست في مصلحة الحلاج، كما أن أخلاق الأثينيين ومعتقداتهم لم تكن في مصلحة سقراط عند محاكمته، مع أن الأجواء كانت تبدو ديمقراطية، وقد جاء الحكم بتصويت الأكثرية، وذلك لأن الأيديولوجيا قد حددت الحقيقة بشكل مسبق. إنها المعرفة التي تجسدت فعلًا وقوة، أمام المعرفة التي ما تزال خطوطًا هندسية في الفراغ.

ويأتي امتياز الصوفية على العقلانيين بامتلاك (الفعل) - أو الحلم بامتلاكه- عبر الاتصال المباشر بالمطلق، وإنتاج النص الذي يكافىء النقل، ويظهر هذا الامتياز بالكرامة، وهي شقيقة المعجزة، فحين يدعو الحلاج مناظريه أمام الخليفة للجلوس معه في الهاون المحمر على الجمر فإنه يشهر سلاح القوة والفعل، لأن الدعوة للمناظرة في أساسها كانت صراع قوة وسلطان، وليست مناظرة معرفية، وبعبارة أخرى، إن القوة هنا هي الشكل المعتمد للبرهان.

إن اشتراك الولي والوالي في الجذر الاشتقاقي يحمل مشاركة في الدلالة كثيرًا ما نلمسها في الكتابات الصوفية، وهي كون الولي سلطانًا في الخفاء، ونكتفي لتجنب الإطالة بمثالين على ذلك من المعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم:"إن الولاية دولة قائمة باطنة في مقابل دولة الظاهر.. وهذه الدولة يترأسها القطب أو الغوث" (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت