-كنت قد حددت في دراستي التي قدمت بها لكتاب (الطواسين وبستان المعرفة) للحلاج، مصطلحين اثنين متجادلين هما: (النقد) و (الفعل) . حيث يشير الأول إلى تقصي الخلل المنطقي وبناء النتائج على مقدماتها بهندسية صارمة، ويشير الثاني إلى العمل بموجب المنفعة مع إغفال ما يتضمن ذلك من خلل منطقي (5) . وأعود الآن لاستخدام هذين المصطلحين لفهم العلاقة بين المعرفة والسلطة في هذا النص إن السلطة تقوم بتحويل التراث المعرفي إلى أيديولوجيا تسوّغ وجودها، وتستخدم في هذا التحويل الديماغوجية والقوة، وهما من سلالة (الفعل) مقابل (النقد) ، وأمام هذه السلطة التي اتخذت من الدين الإسلامي أيديولوجيا تسوّغ لها نهب قوت الشعب عبر الضرائب وغيرها يمكن أن تقدم المعرفة غير المؤدلجة عقلانية الفلاسفة والمعتزلة أو اجتهاد الفقهاء، ولكن الجمهور لا يخاطب بهندسية المنطق ودقة تشعبات العقل، إضافة إلى ما في ذلك من غرابة على التراث المنقول، وهذا ييسر للديماغوجية التلاعب اللفظي، كما أن اللغة الغريبة على النقل تقدم بذاتها مسوغات نسفها بالقوة، أما الاجتهاد فقد توقف وساد تغليب النقل على العقل. والنقل حمّال أوجه، وأمام التأويل لا يبقى منه غير الوجه المناسب لمصالح ذوي السلطان.