إن آخر مسألة نثيرها هنا تخص علاقة الجيلاني بالتصوف. فمؤرخو حياته الطرقيون والمراجع القريبة من القادرية تؤكد أن معاصري الجيلاني كانوا يقدسونه بصفته صوفيًا ووليًا للإسلام، ويزورونه، وينذرون له، وأنه كان ذا كرامات وأتباع مريدين لا يحصى عددهم، وأحوال اختص بها. وبمعنى آخر، فقد كان صاحب معجزات يحسن استغلالها، وصاحب طريقة صوفية يضاهي أشباهه من حيث درجة التصوف ومن حيث كثرة الأتباع. ولقد رأينا أن الوقائع التاريخية الثابتة لا تعزز هذه المزاعم، فابن الجوزي، وهو مرجعنا الأول بصفته معاصرًا للجيلاني، يذكر هذا الأخير على أنه واعظ مشهور وفقيه حنبلي معروف بزهده. وليس في هذا ما يشير العجب من رجل ينتمي للحركة التقليدية. وكثير من رجال هذا الوسط كانوا يوصفون بالزهد لورعهم ولقيامهم بالنوافل. ولكنه لا يذكر الجيلاني أبدًا بصفته صاحب كرامات أو معجزات، بل وهو لا يذكر أبدًا ما تذكره المصادر المتأخرة من علاقة الجيلاني وحماد الدباس مما يثير التساؤل حول حقيقة هذه العلاقات. ونحن واثقون أنه لو عرف الجيلاني حقًا بذلك لما لزم ابن الجوزي الصمت حوله وكان خصمًا له، كما أنه لم يلزم الصمت حول الدباس أو حول كثير من معاصريه. ويظهر أن علاقة الجيلاني بالتصوف هي من باب العلاقة الفكرية أكثر منها من باب السلوك اليومي، وإنها لم تتصف بالتطرف على أية حال. ورد ابن الجوزي على الجيلاني يتعلق على الأغلب بالنقاش الإيديولوجي فان كانت علاقة الجيلاني بالتصوف هي ما شرحناه، فإننا سنجد صياغتها في كتابيه الهامين اللذين وصلا إلينا:"الغنية لطالب طريق الحق"، والكتيب الذي يذم مواعظه بعنوان"فتوح الغيب"، وليس من شك على ما يبدو حول صحة هذا الكتيب الذي جمع مادته ابن الجيلاني عبد الرزاق، لأن ابن تيمية نفسه قد قام بشرحه.