فهرس الكتاب

الصفحة 14809 من 23694

وبطبيعة الحال، فإننا لن نستطيع أن نخصص لعلاقة الجيلاني بالتصوف، في دراسة كهذه، كل ما تحتاج إليه من شروح طويلة، ولكننا نستطيع أن نصوغ بعض الملاحظات وأن نشير إلى ما يجمع فكر الجيلاني بمستقبل التصوف الطرقي.

فبينما كانت الحركة الصوفية تتسع بنشاط وتتهيأ بفضل تشكلها في طرق لأن تزيد من نموها كانت أفكار الجيلاني تتفق بدون أي شك مع اتجاه التطور هذا، بل ونستطيع أن نقول أنه كان واحدًا من أهم من توسط في القرن السادس/ الثاني عشر بين الحركة الصوفية والحركة التقليدية التي كان ينتمي إليها، وأنه كان ممن بفضلهم تبنت الحركة التقليدية خلال القرنين اللاحقين منعطف الطرقية. إن الجيلاني ولاشك تبنى موقفًا غير واضح وكان متحفظًا حول بعض المسائل الحساسة كتحليل الرقص والسماع أو تحريمهما، ولكن هذا الأمر يتعلق بالمظاهر الخارجية ومن ثم ليس بذي أهمية تذكر. ولكن الجديد الذي يمس جوهر المسألة هو ابن الجيلاني ينظر بعين العطف للمتصوفة على أنهم هيئة اجتماعية ودينية مستقلة. فالمؤلفات التقليدية، حتى ذلك الوقت، لم تكن تنظر إلى هذه الفئة من المؤمنين المتصوفين على أنهم طائفة خاصة وكان لهم وضع المسلم العادي بصفة عامة سواء أكان رجلًا من أهل السوق أم من الخاصة أم من العلماء. ولم يكن التصوف ليناقش فيها على نحو خاص إلا في القسم المتعلق بشذوذه وباتجاهاته المستنكرة وذلك تحت عنوان البدع. ولكن كتاب"الغنية"يعالج المريدين المتصوفين أو شيوخهم على انفراد، ويطبق عليهم معايير خاصة مختلفة عما ينطبق على غيرهم. فهو لا يقبل مثلًا أن يعيش المتصوفون من تصوفهم وحسب كما يعيش غيرهم من وسائل الكسب الأخرى، ولكنه يبيح لهم السؤال في ظروف خاصة في حين أنه يحرمه قطعًا على عامة المؤمنين. وهكذا فليس للمتصوفين ميزات في الميدان العقائدي وحسب وإنما لهم ميزات اجتماعية واقتصادية تتعلق بوسائل العيش. وكان لهذا نتائج بعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت