ويلاحظ هنا أن هذا التأثر أوقع ابنَ الخطيب بالفعل في ارتباك واضح في تعامله مع العقليات. ففي الوصية الواردة في"نفح الطيب،"التي كتبها إلى أولاده، ألح على ضرورة دراسة علوم الشريعة، وعلى نبذ علوم الأوائل، واعتبرها ذميمةً إذ لا طائل وراءها:"وخير العلومِ، علومُ الشريعة، وما نجمَ بمنابتها المَرِيعة، من علوم اللسانِ.. فليخصَّ تجويد القرآن بتقديمه، ثم حفظ الحديث.. ثم الشروع في أصول الفقهِ، ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجِلَّة. وإياكم والعلومَ القديمة، والفنون المهجورة الذميمةَ، فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكًا، ورأيًا ركيكًا.. وسِمَة الصَّغار، وخمول الأقدار.. إلا ما كان من حساب مساحةٍ، وما يعودُ بجدوى فلاحةٍ، وعلاجٍ يرجعُ على النفس والجسم براحةٍ" ( [30] ) وأكد المعنى في رسالة:"استنزال اللطف الموجود في أسر الوجود"، حيث دعا (لكن من منطلق براغماتي صريح هذه المرة) إلى عملية انتقاء دقيق للعلوم الواجب على"طالب المجد"تعلمها، مع الإشارة بإصبع الاتهام إلى الفلسفة:"ويتعلقُ بهذا الفصل الكلامُ في العلم فنقولُ:"
العلمُ على نوعين: علم"مهجور وعلم مستعمل".
فالعلم المهجور: جميع ما يختصُّ بأغراض الفلسفة.
والمستعمل على ضربين:
1)علم الوقت: إذ للعلوم أوقات وأسواق يولع الناس فيها بفنٍ دون فنٍ بحسب البلاد والعباد. وعلم الوقتِ يترجحُ الشغلُ به والنظر فيهِ.
2)وغيرهُ: مرجوحٌ.
ومن الواجب على الفاضل وذي السياسة أن يشتهر بعلم ما يرأس به في أهل وقته، ويعود عليه بالتجلة والجاه. ويجتنب ما يُكْسبه الحرج والمذمة والنقص والقدح في الدين والوسم والزندقة كالذي أصاب قومًا من الأعلام. كالقاضي أبي الوليد بن رشدٍ وغيره" ( [31] ) ."