غير أنه مع ذلك يعترف لكثير من الفلاسفة، بالفضل والسبق، وخاصة من المسلمين، كابن سينا الذي أبان عن إعجاب كبير به على طول الروضة، وابن رشد الذي وصفه بإمام الشريعة ( [32] ) و"بالقاضي العالم" ( [33] ) . إضافة إلى فلاسفة اليونان الذين كثيرًا ما كان يستشهد بآرائهم وأقوالهم. كأفلاطون وأرسطو وسقراط وفيثاغورس وأفلاطون وسقراط وفلوطرخس وزينون وأبيقور وأقليدس وفابوريس وخريسبس وفامسضيوس وجالينوس.. وكلهم فاضل مُوَلٍّ وجهه شطر الإله، متزلف إلى ربٍ، مرتاض من عاشق" ( [34] ) ."
ونرجع إلى ثنائية العقل والنقل، فإن ابن الخطيب، رغم اعترافه للعقل بالمصداقية، وبصحة التمييز، قد جعل ذلك منه مشروطًا بموافقته للشريعة المأخوذة من النبي، فالحقُّ أن لا موصل إلى الله إلا نورُ النبوة"وكان في هذه المقولة متأثرًا إلى حد كبير بالغزالي ( [35] ) . ولذلك خصص فصلًا حاول فيه إثبات أن النبوة هي الطريق الوحيد لمعرفة الفضائل، وأن الأنبياء هم هداةُ الخلق وأطباء النفوس، ودعاة الله إلى السعادة الدائمة، وأدلاء العباد على سبيل الله، ومرجعوهم إلى الميثاق الأول، مع تصديق أخبارهم بالمعجزة، وعلى رأسهم طبعًا، محمد (ص) الذي اعتبره علةَ النور الآدمي الموجودِ في الإنسان، الذي يمثل بدوره، علةَ وجود العالم. ومن ثم، فإن النور المحمدي هو علة وجود العالم، وهو"حقيقة الرسالةِ، وسر القرآن.. وسر الإيجاد، ومقتضى الإرادة العلية ومعنى الكونِ". وهي فكرة كثيرًا ما كان ابن الخطيب يرددها في غير ما موضع، وخاصة في أشعاره المولدية، كقوله مثلًا:"
وعلة هذا الكون أنتَ وكلما...
وهل هو إلا مظهر أنتَ سرهُ ... *** ... ليمتاز في الخلقِ المُكَبَّ من الأهدى
ففي عالم الأسراررذاتك تجتلي ... *** ... ملامحَ نورٍ لاح للطورِ فانهدَّا
وفي عالم الحِسِّ اغتديت مُبَوَّأً ... *** ... لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنتَ لولا أن نبت هداية ... *** ... من الله مثل الخلقِ رسمًا و لاحدَّا ( [36] )
بيبليوغرافيا