وهي الواسطة التي يُنْقَل عبرها، خطاب الغيب إلى الإنسان. إما قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، مستعينة على ذلك بالوعد والوعيد. والناس في تلقي هذه النبوة أصناف:
-فمنهم من قَبِلَ الدعوة، فأنبت الله في قلبه حبةَ الإيمانِ النباتَ الحسن.
-ومنهم من رفضها.
-ومنهم من سمع شيئًا منها، فكان اهتداؤه بقدر ما سمع. ثم إنه إذا تحصل الإيمان وتأصل، وجب على المؤمن أن يعرضه على الفطرة ، ويختبره بالفكر والروية ، ثم يهجر الشكوك والشواغب، كي: تُشْفَى العللُ، ويُتَدارك الخلل"."
2-وأما العقل:
فهو ملازم للنبوة، ومساعد لها على هداية الخلق، غير أنه أقلُ مرتبةً منها. فعلى"الفلاح"أن يجعل الشريعةَ في يمينه والعقلَ في شماله، فما قبلته الشريعة، وسوغه كتاب تلك الفلاحة، أمضاه. وما منعته وأنكرته، دَفَعَهُ وطرحه.. ويعرض ما في شماله على ما في يمينه، وهو العقل الذي لا يعارض الشرائعَ ولا يخالف سنن السنن. فإن قبله فهو مقبول عند الله، وإن لم يقبله فليس بمقبول، ولا يَحْسُنُ إلا ما حَسَّنهُ- سبحانه- ورسولُه. فإن الله هو العالم بالشجرة والفلاح قبل أن يتعين، وأبصرُ بحسن العواقب. [23] .
ويعتبر تعريف العقل هنا من القضايا التي استرعت انتباه الباحثين [24] . واعتبره بعضهم تناقضًا في فكره ( [25] ) . ذلك أن الرجل انطلق من منطلق فلسفي فيضي، فجعل عقل الإنسان جزءًا من العقل الفعال، وهذا الجزء، هو المقصود بالخطاب الأول:"أَقْبِلْ وأَدْبِرْ" ( [26] ) وأول موجود أوجده الله. وفيه شعاع الحقيقة.
وللعقل كذلك قدرة خارقة على الإدراك والإحاطة بالموجودات،"فهو يحيطُ بالأشياء كلها، إحاطةً روحانية" ( [27] ) . وهو تعريف يتشابه وتعريفات الفلاسفة اليونان والعرب ( [28] ) . كما أنه أحيانًا يستشهد بكثير من أعلامهم ( [29] ) .