ومن بين القضايا التي ناقشها ابن الخطيب في هذا الباب، قضية الأسبقية بين المعرفة والمحبة. ويذكر أن أهل التصوف اختلفوا في هذه المسألة بين رأيين. فمنهم من قال: إن المعرفة تسبق المحبة بالذات، إذ لا يُعقَل حب شيء إلا بعد معرفته، ومن ثم، فالمعرفة سبب للمحبة. ومنهم من قال بالعكس، لأن المعرفة آخر المقامات، ومنتهى الطريق إلى الله، فمعرفة الحق لا تكون إلا بقطع هذه الطريق التي أولها: المحبة والإرادة، فإذا لم تتحقق المحبة أولًا، لم تتأت بعدها المعرفة.
ويلاحظ ابن الخطيب أن هذه الإشكالية لم يُحسم فيها بشكل نهائي. ومن ثم، يقترح تصورًا توفيقيًا لحلها:
يسجل المؤلف أولًا أن هذا الخلاف منشؤه: الخلط لدى أصحابه، بين معنيين للمعرفة:
* المعنى اللغوي: وهو تمييز الشيء من غيره، والعلم به بواسطة العين، أو الوصف في حالة الغيبة، أو الكتابة أو غير ذلك. وفي هذه الحالة، تكون المعرفة بالشيء، رهينة بما يعطيه ذلك المعنى من البيان.
* المعنى الاصطلاحي: وهو مقام من مقامات الصوفية. بل هو الثمرة المرجوة من المجاهدة.
واستنادًا إلى هذا التمييز بين المعنيين، اللغوي والاصطلاحي، يحاول المؤلف حل الإشكال، فيلاحظ أن من قال بتقديم المعرفة على المحبة، إنما أراد المعرفة الأولى اللغوية التخاطبية. ومن قال بالعكس، أراد المعرفة الثانية الاصطلاحية، التي لا تحصل إلا بالمحبة، فتكون المعرفةُ اللغوية سببًا أولًا للمحبةِ، والمحبةُ وما قبلها، سببًا للمعرفة الاصطلاحية. ولذلك فهو عندما يتحدث عن الشرع والعقل، كمصدرين للمعرفة، إنما يقصد معناها اللغوي ( [22] ) .
المعرفة ? المحبة ? ... ? ... ? المعرفة
(معنى لغوي) (معنى اصطلاحي)
4)مصادر المعرفة: ... *** ... أعادَ فأنتَ القصد فيهِ وما أبدى
ونؤكد مرة أخرى، أن ابن الخطيب إنما يقصد هنا بالمعرفة، معناها اللغوي، حيث تكون سببًا للمحبة، وهو يرى أن هذه المعرفة، لها مصدران أساسيان هما: النبوة والعقل.
1-النبوة: