واختيارُ الوجه لتنعكس عليه الحالة النفسية من دون غيره من أعضاء الجسم، فيه حكمةٌ بالغةٌ، ليُعبّر عما في الجوانح من أحاسيس وهمومٍ وخوفٍ وألم. وهذه الصورةُ الإنسانية الكئيبة التي تصور حال الكافرين من شأنها أن تفعلِ فِعلها المؤثر في النفوس، فتعمل على التنفير من الأخلاق الذميمة، ونكران الجميل، والظلم، والكفر والكفران بنعم الله التي لا تعد ولا تُحصى. ولعل هذا اللونَ القاتمَ الحالكَ قد ارتبط بالظلم، إذ بين الظلم والظلام أشياء كثيرةٌ مشتركةٌ في المعنى والدلالة واللغة، وله تأثير بالغٌ في زرع الرهبة في نفوس من بتوعدهم النص القرآني بوخيم العاقبة. والظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة.
اللون الأزرق:
إن الله تعالى، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرّمه على جميع مخلوقاته، ووصف في الكتاب العزيز بأحسن النعوت وأجملها، حين يكون إنسانًا سويًا يقيم أسسَ الحب ويزرع الخيرَ والعدل في الأرض، ويرتفع بأفكاره وغرائزه عن الدنايا.
ولكن هذا الإنسان، حين ينحرف عن جادة الحق والصواب، ويسير في دروب الضلال والظلم، فإن القرآن الكريم يقف منه موقفًا آخر، إذ يعرض في لوحةٍ مجسمةٍ، نفسيةٍ وخلقيةٍ، منفّرة، تنافي جوهر الجمال ووظائفه، فيستخدم، اللون الأزرق في وصف ما يؤول إليه حال المجرمين يوم القيامة. يقول تعالى:"يوم يُنفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقًا"طه- 102. والصورة على جانبٍ كبيرٍ من الإيحاء. لأن منظر عيون المجرمين (عميانًا) - وهذا ما أوحت به كلمة (زرقًا) للمفسرين- من الخوف، ووجوههم المسودة من الضلال والكفر تجعل الإنسان يخاف عاقبة إجرامه، وتجعل المؤمنَ أشدّ تمسّكًا بأهداب الدين ليضمن العاقبة الحسنة والنجاة من أهوال العذاب يوم الحشر.