ويقول مالك بن نبي عن (إعجاز القرآن) إنه صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال. وهي صفة كان يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر رضي الله عنه أو الوليد بن المغيرة، أو كان يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده. ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وإمكانيات عالم اللغة في العصر العباسي. وبرغم هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب الإعجاز لأنه ليس من توابعه، بل من جوهره، وإنما أصبح المسلم مضطرًا إلى أن يتناوله في صورة أخرى بوسائل أخرى..
وفي تقديم الأستاذ محمود شاكر لكتاب ابن بني"الظاهرة القرآنية"أشار إلى أن مشكلة الشباب المسلم المتعلم في هذا العصر هي إدراك إعجاز القرآن إدراكًا يرضاه العقل ويطمئن إليه. وأكد أن منهج مالك في كتابه"الظاهرة القرآنية"يدل أوضح الدلالة على أنه إنما عني بإثبات صحة دليل النبوة، وبصدق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من الله، وأنه كلام الله لا كلام البشر. وليس هذا هو (إعجاز القرآن) ، بل هو أقرب إلى أن يكون بابًا من (علم التوحيد) استطاع مالك أن يبلغ فيه غايات بعيدة، قصّر عنها أكثر من كتب من المحدثين وغير المحدثين.
إني أقول بتلازم التحدي بالإعجاز والتجديد في الدراسات القرآنية. ولبيان ذلك، لابد من الإجابة عن السؤال: ما المعجزة؟
المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي. ولا تسمى المعجزة معجزة إلا إذا وقع التحدي بها. فلا تستطيع أن تقول هذا معجز إلا إذا تحديت الناس وعجزوا عنه.
ولما كان خطاب القرآن الكريم للناس جميعًا، وجب أن يكون إعجازه للناس جميعًا بنص الآية الكريمة:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا" (الإسراء88) وعليه فإن التحدي بإعجاز القرآن الكريم عام لكل الناس في جميع الأزمنة، وليس خاصًا بالعرب في فترة زمنية محددة، وإلا لما كان القرآن صالحًا لكل زمان ومكان.