وازدواج المتعة الفنية والنفع خصوصية يكمن فيها قسط مما حظي به الخطاب القرآني من رضا على تعاقب الأجيال. وإذا كان في هذا المفهوم الجمالي انسجام مع فكرة التطهير catharsis الأرسطاطاليسية، ففي هذا الانسجام سبب من أسباب إقبال العرب في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية على نقل أرسطو إلى العربية والاهتمام به أكثر من سواه من مفكري الإغريق وأدبائهم.
وتخلي قصيدة الحداثة، كما أسموها، عن هذه الازدواجية واتخاذها، تحت تأثير (مالارمه) وسواه من شعراء الرمز في الغرب، جمالية اللغة غرضًا في ذاتها، وإسرافها في الغموض حتى الإبهام، حتى لكأنها تكتب لنخبة النخبة، لنخبة تعنّي النفس لتكوين قصيدة لها انطلاقًا منها، وقد لا تظفر بطائل.. هذا التخلي يكمن فيه، في تقديرنا، سقوطها الذي بدأت أراهيصه.
وبتعبير آخر إذا ما كان القرآن الكريم حين نزوله في أواخر العصر الجاهلي قد فتن المتلقين لتلبيته إحساس المتلقي بضرورة التغيير الاجتماعي نحو الأفضل وإحساسه بالحاجة إلى جمالية جديدة تعيد إلى الكلمة مجدها، جمالية تغاير جمالية الأنموذج الشعري الذي بدأت منزلة منشئه تنحط لانصرافه إلى المديح بغية الربح.. ولتوالي هذا الأنموذج عصورًا طويلة على نسق فني رتيب.. فقد غدا عبر العصور رائعة فنية في أعين المتلقين، وذلك لأنه، في تقديرنا، نص مفتوح على العالم يحرّك بوسائله الفنية كوامن الخير في أعماق النفس البشرية متناغمًا مع تطلعاتها إلى السعادة.. أي نص ينزع منزعًا إنسانيًا توحي به لا القيم الواضحة فحسب بل صيغ اللغة- كما رأينا في سورة الضحى- وما تنشره هذه اللغة من إيحاءات.