والتنوعات الأسلوبية بما تتسم به من توال يتفاعل مع ما بني عليه النص دلاليًا من تدرج تقتضيه التربية القويمة، وبما تنبض به من إيحاءات ممتعة للمجاز قسط يسير فيها يمليها ترابط الإشارات في الآية الواحدة وترابط الآيات بعضها مع بعض.. وبما تنبض به من ثنائيات ضدية مثيرة تقوم على جدلية الحضور والغياب، جدلية يوحي المادي فيها بالمعنوي، وتمتّن الأواصر بين دلالات البنية.. وتأخذ من الغموض الشفاف فتنة، وتخلع على اللغة صفة الدراما.. وبما تنبض به من ملاءمة للسياق الشعوري، ومن التفات فريد يقوم على تحول ضمير المتكلم إلى اسم بارز أو إلى ضمير غائب يندمج فيه الأنا والهو مراعاة للانسجام الموسيقي، ومن حذف للضمير المفعول به إبقاءً على التناغم الموسيقي الممتع في الفاصلة، ومن ازدواج يقوم على التكرار والتوازن وتناغم الجرس.. هذه التنوعات التي قامت بوظائف متعددة تأثيرية وإفهامية وإيعازية واجتماعية وجمالية تحقق للمتلقي مفاجآت لذيذة وتغيرات ممتعة، وتحضه على إمعان النظر للوصول إلى استكشاف تعقبه متعة تتناسب وما بذل في هذا الاستكشاف من جهد.
وهذه المتعة الفنية الناجمة عن جمالية الأسلوب القرآني ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة للتأثير في المتلقين خدمة للتعليم، الغاية النهائية للفن: ههنا مزج بين النافع والممتع يبعث في نفس المتلقي الحس الجمالي لإفادته. فالقرآن استخدام جديد للغة يتخذ الجمال الفني وسيلة لغرس إيديولوجية جديدة متقدمة على ما شاع في عصره من إيديولوجيات عن طريق الإحساس الجمالي الذي تبعثه الرسالة اللغوية.