فهرس الكتاب

الصفحة 14724 من 23694

ق- أما الفاصلة الأخيرة"حدِّث" [haddit] فهي تمثل انحرافًا مفاجئًا في نظام التقفية في هذا النغم لظهور الصائت [i ] في مقطعها الصوتي الثاني، بل في نظام التقفية الكلي في النص؛ ولكن جمالها لا يأتي من مفاجأة الانحراف فقط بل من تناغم هذا الانحراف مع انحراف دلالي صارخ تمثله الإشارة"نعمة"التي تشع بإيحاءات متعددة خلافًا لما يقابلها في الآيتين السابقتين من لفظ:"اليتيم"، و"السائل"لدلالة هذين اللفظين على معنى خاص محدد.

أضف إلى ذلك أن هذه الفاصلة"فحدِّث"هي الكلمة الأخيرة في النص يعقبها صمت طويل، فهي بما تمثله من انحراف صوتي يتناغم مع انحراف دلالي، تدعو المتلقي إلى التأمل، فتصل التعبيرية إلى أقصى مداها مع هذه الفاصلة، ويغدو النص على هذا النحو مفتوحًا لا مغلقًا.

الخاتمة:

وهكذا نحس أن الخطاب القرآني يغاير الخطاب الشعري على مستويات مختلفة:

لقد قامت في القديم معركة بين أولئك الذين كانوا يدعون أن القرآن شعر، وأولئك الذين ينفون هذه الصفة عنه لأسباب كثيرة منها أن قول الشعر ينبثق عن إرادة المبدع في القول الشعري، وما جاء في القرآن من آيات على وزن الشعر لا يقوم دليلًا على أن القرآن شعر لعدم تحقق هذه الإرادة فيه.

والخطاب القرآني في تقديرنا خطاب مستقل عن الشعر، هو قول يقصد إلى تأكيد الجمال، بل إلى تجسيده معتمدًا على تقنيات خاصة به. ومن الممكن أن تكون هذه التقنيات على علاقة بالشعر أحيانًا، ولكن يبقى له تقنياته الخاصة به، تقنياته التي تتشابك تشابكًا قويًا لتحقيق هدف.

لقد عرف نص"الضحى"كيف يوحي بهواجس الرسول العميقة ومخاوفه، وخاطبه بأسلوب تربوي متدرج يرضي القلب أولًا ثم العقل ثانيًا، فروّح عنه ما ألم به من قلق وجزع، وبعث فيه ما تتشوق إليه نفسه من طمأنينة وسعادة، فأعده، والأمر كذلك، لما يراد له من تكليف، وبث فيه العزيمة، وقد يكون في هذا النهج ما يروّح عن المتلقي العام الذي يعيش في أزمة في كل عصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت