والطلب هنا في صيغتيه يتضمن الحاضر والمستقبل، وهذا أمر إلهي من أعلى إلى أدنى جاء بعد استقرار النفس وثبات المعتقد، وفيه قدّم المفعول:"اليتيم""والسائل"والتكملة"بنعمة"للفت الانتباه. والنهي في الفقرتين الأوليين يحققه"فلا تقهر"و"فلا تنهر"وهما على وزن واحد، وبذلك يسهمان في تحقيق موسيقية الازدواج الأخاذة، ويراد بالازدواج (24) تساوي الوحدات الصوتية- الدلالية في الأجزاء بحيث لا تزيد الواحدة عن الأخرى، والآيتان ها هنا جاءتا متساويتي الأجزاء، حتى كأنهما أفرغتا في قالب واحد. وهذا النمط أشرف أنواع الازدواج منزلة لما فيه من اعتدال كما يقول ابن الأثير (558- 637هـ/ 1163- 1239م) .
والمهم أن هذا الازدواج يشف عن توازن يحققه تكرار"أما"و"فلا"ووزن الكلمة"تقهر"و"تنهر"ويؤدي إلى انسياب العبارات كالموسيقى إلى القلب انسيابًا يسهم في تحقيقه توالي المقاطع الصوتية مفتوحة ومغلقة وفق نسق واحد موضعًا وزمنًا
وكما الحال في النغمتين السابقين يعمد التعبير إلى حذف الضمير المفعول فالمراد بـ"فلا تقهر" (فلا تقهره) وبـ"فلا تنهر" (فلا تنهره) . وهذا الحذف جاء لا للعلم به ولا للاختصار بل مراعاة للتناغم الموسيقي للفواصل التي تنتهي في هذا النغم بمقطع صوتي مغلق ينسجم مع لهجة الحسم الآمر، في حين أن الفواصل في النغمين السابقين تنتهي بمقطع مفتوح.
والمهم أن توالي هذه الأساليب الثلاثة: القسم، الاستفهام، النهي يعزز تقسيم النص دلاليًا إلى ثلاثة أنغام، وهو ضرب من التنوع فائدته إيقاظُ حواس المتلقي ونفسه لتلقي المضمون، وكسرُ الرتوب الذي يبعثه توالي الخطاب على نسق واحد.
الموسيقا القرآنية: وإنما نهتم بهذه الموسيقا لأسباب: