فهرس الكتاب

الصفحة 1462 من 23694

وهذا يعني، أن العلم لا يمكن أن يستقل عن العالم، إذ كل علم هو علم بشيء من الأشياء، مهما ابتعدنا في طريق التجريد. وفي هذه الحال، ألا يحق لنا أن ننقل المسألة من مستواها العلمي إلى مستواها الوجودي؟ فنتساءل: هل هناك عالم واحد أم جملة من العوالم؟ أن القول بجملة من العوالم يعني أنها عوالم مستقل بعضها عن بعض، وأن استقلال بعضها عن بعض يعني أنه لا يمكن لها أن تتبادل الأثر والتأثير، وأنه لا يمكننا بالتالي أن نربط بينها في نظرة علمية. وفي هذا إبطال لعمومية العلم، والإيمان بأنه يقتصر على عالم دون عالم، أي أن هناك أمورًا لا يطالها العلم ولا هي تخضع له. ولكن، من منا يستطيع أن يسلم بهذه النتيجة؟ أليس إنكار عمومية العلم إنكارًا لشرعيته؟ ولكن العلم مشروع بدليل قيامه وممارسته، وشرعيته لا تقتصر على عالم دون عالم، بل تشمل العوالم جميعًا. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يعني هذا أن هناك علمًا كليًا وراء العلوم الجزئية كلها، وأن هناك عالمًا كليًا واحدًا وراء العوالم الجزئية المختلفة؟ وهذا يجعلنا نتساءل: كيف يمكننا أن نربط بين الحقائق الجزئية في داخل العالم الواحد، ولا يمكننا أن نربط بين الحقائق في جملة هذه العوالم؟ إن في هذا تناقضًا دون شك، وهو لا يقف عند حدود التناقض، بل يتجاوزه إلى الشك في حقيقة العلم ذاته. فالعلم أما أن يكون عامًا أو لا يكون علمًا على الإطلاق! وإذا كان الأمر كذلك، كان لابد لنا من التسليم بأن هذه العوالم ليست مستقلًا بعضها عن بعض، وأنها تتبادل الأثر والتأثير فيما بينها، أي أنها تؤلف عالمًا كليًا واحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت