ولكن، هل نخرج من كلامنا هذا، بأن العلم الحديث محق فيما يذهب إليه، وأن القدماء ـ وابن سينا منهم ـ كانوا مخطئين؟ لنلاحظ أننا إذا فهمنا العلم بمفهومه الجزئي، كان لابد لنا من أن نسلم بما ذهب إليه العلم الحديث، وأننا إذا فهمناه بمفهومه الكلي، كان لابد لنا من أن نسلم مع القدماء، بأن هناك علمًا كليًا يشمل العلوم الجزئية، وإن هذا العلم لابد له من أن يكون ثابتًا ودائمًا. فإلى أية جهة نميل؟ أنقول بالعلم الجزئي أم بالعلم الكلي؟ في الحالة الأولى، نكون قد سلمنا بأنه مامن حقيقة كلية، بل حقائق جزئية منفصل بعضها عن بعض. وفي الحالة الثانية، نكون قد سلمنا بالحقيقة الكلية والحقائق الجزئية في وقت واحد معًا، وتكون الحقيقة الكلية هي المنظومة التي تنتظم فيها الحقائق الجزئية جميعًا، فما المسوغ الذي يدعونا إلى القول بهذا الرأي أو ذاك؟ إذا توقفنا عند حدود العلم بما هو؟ علم، أي بصرف النظر عن العالم الذي هو علم له، لم يكن لدينا أي مسوغ لتبني هذا الرأي أو ذاك، وأصبح القول بأحدهما أو الآخر مقبولًا. ولكن، هل هناك علم من دون عالم هو علم له؟ إننا لا نعتقد ذلك، ولا نظن أن هناك من يعتقد ذلك. وإذا قدر لأحدهم أن يدعي ذلك، كان لابد للعلم من أن يكون عبثًا، وأن يصح عندئذٍ أي رأي مهما كان غريبًا...